فارتفعت أصوات من الجالسين وكان عددهم نحو سبعمائة: أنت المجرم أنت المجرم وأرادوا أن يضربوه، فقام العالم المصلح السلفي الحكيم الحاج محمد بن عبود ونصح لهم أن لا يضربوه لأنهم إذا ضربوه يمكنونه من مراده في إثارة الفتنة وادعاء أن درس التوحيد يفضي إلى المشاجرة والتقاتل فيجب منعه، وأصاب هذا الناعق رعب شديد فأراد أن يخرج من المسجد فخاف أن يضرب خارجه ولم يستطع البقاء بين الجالسين لكثرة إنكارهم عليه فما وجد سبيلا إلا أن التجأ إلى الصعود إلى المنارة.
ومع هذه الهزيمة التي وقعت للمشركين طمعوا أن يتخذوها ذريعة لمنع دروس التوحيد، واتفق أن الرؤساء من الحكام كانوا غائبين عن مدينة مكناس لأنهم ذهبوا ليستقبلوا جلالة الملك الحسن الثاني عند رجوعه إلى عاصمة ملكه من زيارة الجزائر ولم يوجد إلا نائب من نواب المتصرف فالتجأوا إليه وطلبوا منه أن يمنع دروس التوحيد، فانتظر إلى قرب أذان المغرب الذي بعده يكون الدرس فبعث إلي شيخين من شيوخ الحارات راكبين على سيارة العمالة فدخلا علي وقالا لي: إن سعادة العامل -يعنون الأمير- يقول لك: اترك التدريس في الجامع الكبير إلى أن ينظر في القضية التي حصلت البارحة وقال لنا: قولوا له يجبكم بنعم أو لا، فقلت لهم: أنا لا أعارض أمر العامل وامتنعت من التدريس في المساء ففرح المشركون فرحا عظيما وظنوا أنهم أدركوا وطرهم وقضوا على الموحدين المتبعين للرسول قضاء مبرما ولكن الله العلي العظيم الذي نصرنا في المرة الأولى والثانية نصرنا في هذه أيضا نصرا مؤزرا من فضله ورحمته لا باستحقاق لأننا مقصرون في طاعته.