وقبل بضع سنين ألهم الله جلالة الملك الحسن الثاني أن يبني مكرمة طالما غفل عنها الملوك السابقون، وهي من المزايا التي خصه الله بها والله يختص بفضله من يشاء، ألا وهي تأسيس دار الحديث الحسنية ولما نشر خبر هذه الفكرة امتلأت قلوبنا سرورا؛ لأن علم الحديث أهمل منذ عصور طويلة إلى أن اندرس ولم يبق له وجود لا من الوجهة العلمية، ولا من الوجهة العملية وصار الوعاظ وخطباء الجماعات يملؤون حديثهم بالموضوعات، ولا يميزون خبرا صحيحا من خبر ضعيف أو موضوع، ومن المعلوم أن علم الحديث هو مفتاح علوم الدين كلها لأنه لا تعرف معاني القرآن الذي هو حجة الله على خلقه إلا بأقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله، كما قال تعالى في سورة النحل: { وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } [النحل: 44] وخفنا أن لا تخرج هذه الفكرة إلى حيز العمل، ولكن أبا محمد الحسن الثاني أيده الله من أهل العزم الذين إذا قالوا فعلوا وإذا فعلوا أجادوا فخرجت هذه الفكرة إلى حيز العمل، وأنشئت دار الحديث الحسنية، ولم أدع إلى التدريس فيها إلا بعد مضي شهرين من إنشائها بسبب وشاية أولئك الوشاة ثم دعاني وزير الأوقاف الأستاذ أحمد برقاش إلى مكتبه بالوزارة، وتلقاني بغاية الحفاوة وقال لي: إن سيدنا المنصور بالله أسس هذه المدرسة وإننا نرجو أن يكون لها مستقبل عظيم فينبغي أن تشارك في هذا العمل المبرور، فقلت له: منذ ظهرت فكرة إنشاء هذه الدار وقبل أن تحقق وتخرج إلى حيز الوجود كنت أول المرحبين بها المستبشرين بظهورها، ونشرت في ذلك مقالا طويلا في مجلة (( دعوة الحق ) )التي تصدرها وزارتكم نظما ونثرا فقال لي: لم أطلع عليه فقال له الأستاذ الحاج عبد الرحمن الدكالي: بلى يا صاحب المعالي نشر هذا المقال في المجلة منذ زمان، فأعطاني معالي الوزير أهم الدروس التي تلقى في دار الحديث وهو تفسير القرآن