قال ابن حجر _ رحمه الله _ ''في الفتح'': (وهذا التفسير الذي في حديث أبي هريرة أقعد بلفظ الملامسة والمنابذة لأن الملامسة والمنابذة مفاعلة فتقتضي الاشتراك من الطرفين) .
فقه الحديث:
أولًا: النهي عن بيع المنابذة والملامسة وهما من بيوع الجاهلية،كما روى ذلك النسائي في ''سننه'' عن ابن عمر والأصل في النهي التحريم.
وبيع المنابذة فُسِّر في الحديث: بأن يطرح الرجل ثوبه بالبيع إلى الرجل قبل أن يقلبه أو ينظر إليه يعني مثلًا يأتي هذا رجل يأتي إلى محل ويقول أريد ثوبًا فيأخذ البائع ثوبًا من الثياب الموجودة ويطرحه على هذا المشتري من غير أن يقلبه ولا ينظر إليه يعني يقول: ما أَطْرَحُهُ وما أَنْبُذُهُ إليك، فهو عليك بكذا من غير أن ينظر ولا يرى ما فيه.
الصورة الثانية: من صور المنابذة: أن يجعل النبذ بيعًا اكتفاء به عن الصيغة فيقول: أحدهما مثلًا: أنبذ إليك ثوبًا بعشرة فيأخذه الآخر؛ وهذا هو مذهب الشافعي.
قد يكون هذا الثوب الذي نبذه إليه لا يساوي عشرة، وقد يساوي أكثر، قد يساوي مائة قد يساوي أقل من عشرة، إذًا إما أن يكون المشتري أو البائع غانم أو غارم، أن يكون أحد المتعاقدين غانم أو غارم وهذه علة التحريم كما سيأتي بيانها.
الصورة الثالثة: أن يقول: بعتك هذا الثوب على أني إذا نبذته إليك لزمك البيع ولا خيار، ففيه مفسدة سقوط خيار المجلس الذي أثبته الشارع، وربما يقع هذا الثوب في يد المشتري لكنه لا يرضاه، يرى فيه عيبًا أو ما أشبه ذلك.
الصورة الرابعة: أن يقول المشتري للبائع: أي ثوب نبذته إليَّ فقد اشتريته بعشرة أو بمائة، فالذي يختاره البائع في هذه الحال أقل ما يمكن فيكون مجهولًا وربما ينبذ إليه ثوبًا يساوي مائتين فيكون غانمًا وربما ينبذ إليه ثوبًا يساوي ثلاثين فيكون غارمًا، إذًا صار أحد المتعاقدين بين الغرم والغنم وهذه الصورة الأخيرة وهي الثالثة اختارها الإمام أحمد رحمه الله _.
الصورة الرابعة: أن المراد نبذ الحصاة (( نهى عن المنابذة ) )يعني نبذ الحصاة.
ونبذ الحصاة له صورتان:
الصورة الأولى: أن يقول: ارم هذه الحصاة فعلى أي شيء تقع فهو لك بعشرة، فربما تقع على شيء لا يساوي ريالًا، وربما تقع على شيء يساوي مائة، فيكون أحد المتعاقدين بين الغنم والغرم.
الصورة الثانية: أن يقول: ارم هذه الحصاة فأي مدى بلغته من الأرض فهو لك بكذا يعني هذا في العقار فربما وقعت إلى أمد قريب فيكون غارمًا وربما وقعت إلى أمد بعيد فيكون المشتري غانمًا لأنه يختلف الناس قوة وضعفًا يأتي إنسان مثلًا ضعيف ما يستطع يرمي بقوة فتكون الحصاة قريبة فيكون البائع غانم وربما يأتي آخر فيأخذ حصاة ويرميها بقوة وهو صاحب جِدٍّ ونشاط فيكون غانمًا، فصار أحد المتعاقدين بين الغنم والغرم.
وهذه _ أعني بيع الحصاة _ ورد فيها حديث بخصوصه فقد ثبت في صحيح البخاري أن النبي _ صلى الله عليه وسلم _: (( نهى عن بيع الحصاة ) ).
إذا من صور النهي عن المنابذة بيع الحصاة.
? أما بيع الملامسة فهو (مُفَاعَلَة) والمُفَاعَلَة تكون غالبًا من الطرفين وهي مأخوذة من اللمس، وَفُسِّرَت في الحديث (( بأنه لمس ثوب الرجل الآخر بيده بالليل أو بالنهار ولا يقلبه إلا بذاك ) ).
وفي حديث أبي هريرة _ (( أما الملامسة فأن يلمس كل واحد منهما ثوب صاحبه بغير تأمل ) )يعني يلمس فقط ربما كان هذا طويلًا ربما كان قصيرًا ربما كان معيبًا ليس له إلا ذاك ولهذا لا يقلبه تقع عليه يده بليل أو نهار.
ومن صورها أيضًا أن يقول: أي ثوب لمسته فهو عليك بكذا فقد يلمس المشتري ثوبًا بمائة فيكون غارمًا، وقد يلمس ثوبًا يساوي عشرة فيكون غانمًا.
ومن صورها: أن يَبِيعَهُ شيئًا على أنه متى لمسه انقطع خيار المجلس وهذه اختارها الشافعي _ رحمه الله _، يعني يقع مثلًا بينهما معاقدة بيع فيقول البائع للمشتري: متى ما وقعت يدك على هذا المبيع فلا خيار لك، متى وقعت يدك عليه سواء كان ثوبًا أو غير ذلك.
فأصبحت صور المنابذة والملامسة تشمل صورًا متعددة.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)