دراسة أقوال السلف من المفسرين لكتاب الله وعلى رأسهم ابن عباس ترجمان القرآن، ومعلمه لعدد من التابعين، وذلك أن ابن عباس حفظه صغيرًا، وتتبع أسباب نزوله، وجمع ذلك من كبار الصحابة، وآتاه الله فهمًا فيه بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم: [اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل] .. (متفق عليه) فكان ترجمانًا لكتاب الله، وكذلك ابن مسعود، وعبدالله بن عمر، وعبدالله بن عمرو بن العاص.
فإن هؤلاء نقلت أقوالهم عن طريق تلاميذ أخذوا عنهم، وهؤلاء أخذوا عن كبار الصحابة كالشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وعثمان بن عفان رضي الله عنه، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، وأبي موسى الأشعري رضي الله عنه وأبي بن كعب رضي الله عنه، وغيرهم ..
ففهم آيات القرآن وفق تفسير السلف الصالح من الصحابة والتابعين لا محيد عنه، لمن أراد أن يفهم عن الله سبحانه وتعالى فإن هؤلاء عاصروا التنزيل، وكانوا أعلم الناس بكلام العرب، وشاهدوا كيفية تطبيق القرآن.
سادسًا: دراسة تفاسير أهل العلم:
الإكثار من النظر والقراءة في تفسير أهل العلم من العلماء، والمفسرين الذين فهموا القرآن وفق الأصول السابقة، وآتاهم الله فهمًا في القرآن فإن القرآن لا تزال عجائبه، وإن الفهم فيه يظل أبدًا ما دام القرآن في الأرض كما جاء في حديث علي بن أبي طالب عندما سأله سائل فقال له:"هل خصكم رسوا الله بشيء؟"أي أنتم وأهل بيته. فقال:"لا والذي برأ النسمة وفلق الحبة، ما خصنا رسول الله بشيء إلا ما في هذه الصحيفة، وأخرجها فإذا فيها أسنان الإبل، وفهما في كتاب الله يؤتيه الله من يشاء" (متفق عليه) ، ولا يزال هذا الفهم ما بقي القرآن والإيمان.
سابعًا: العكوف عليه والانقطاع إليه للنظر والتأمل والتفكر والتدبر:
العكوف على القرآن، والقيام به آناء الليل وأطراف النهار، والتفكر في آياته، وتدبر معانيه {قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا}
فإذا جلس الإنسان وحده وتفكر في آيات الله انفتح له فيها باب عظيم للفهم والعلم واليقين.
ثامنًا: إثارة القرآن:
مدارسة القرآن، وذلك أن القرآن كالمسك المختوم إذا أثرته ونَقَّبْتَ فيه فاح عطره، وانتشر شذاه ولذلك كان السلف يوصون قائلين:"أثيروا القرآن"وإثارته هو بالإجتماع عليه وتشقيق السؤال حول آياته، ومدارسته.
وقد جاء في الحديث [ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده] (رواه أحمد والبخاري].
فمدارسة القرآن تصنع العجب في إثارة معانيه واستخراج كنوزه .. وقد رأيت أنا كاتب هذه السطور من هذا عجبًا.
تاسعًا: إنزال القرآن على الواقع:
القرآن قول متجدد لا تزال تتحقق آياته كل يوم لأنه ليس وصفًا لحدث مضى وانتهى وإنما هو حكم الله على الناس والأحداث ..
وقضية البشر الأساسية هي الإيمان والكفر، والموقف من الرسالات، وهذه القضية لا يتغير فيها إلا الوجوه فقط، وإلا فالأحداث والوقائع واحدة.
بل والكلمات واحدة {ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك} ، و {كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون!! أتواصوا به} فقصة كل رسول واحدة:
رسول يأتي بالهدى من ربه فيدعو إلى مؤمن وكافر، ويقوم الصراع، ويداول الله الأيام بينه وبين عدوه، ثم تكون العاقبة بهلاك الظالمين وبالنصر والتمكين للمؤمنين ..
وهكذا الشأن مع كل رسول؛ اختلفت أسماؤهم وأزمانهم وأقوامهم، واتحدت دعوتهم، وتطابقت كلمات مناوئيهم، وتشابهت قلوبهم.
وكان الإيمان كذلك واحدًا .. اختلفت أسماء المؤمنين لكنهم كانوا في كل عصر على قلوب وأعمال واحدة {إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون} .
وهكذا يبقى وصف الله للكفار في عصر الرسالة هو وصفه للكفار اليوم، ويعيش عبدالله بن سلول رأس المنافقين ويموت في المدينة ولكن أشباهه في النفاق يظهرون في كل جيل ودعوة.
ويصفهم الله في القرآن: {ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين}
وكما يمضي بلال وعمار وصهيب فإنه يبقى أشباههم من أهل الإيمان يعذبون طالما بقيت فتنة في الأرض، ويبقى وصف الله لهؤلاء في القرآن ماثلًا وقائمًا وواقعًا. {الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله}
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)