إن هذه الخلوة هى الزاد لاحتمال العبء الباهظ والجهد المرير الذي ينتظر من يدعو بهذه الدعوة الطاهرة في كل جيل!
وينير القلب في الطريق الشاق الطويل , ويعصمه من وسوسة الشيطان , ومن التيه في الظلمات الحافة بهذا الطريق المنير
فما هى هذه الخلوة؟؟! إنها (( الاعتكاف ) )!!!!
تلك السنة التى تعجب الزهرى رحمه الله ممن تركها فقال:
(عجبًا للمسلمين! كيف تركوا الاعتكاف، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم ما تركه منذ قدم المدينة حتى قبضه الله عز وجل)
فما هو الاعتكاف الذى نريد؟؟!!!
-والاعتكاف الذي نريد هو اعتكاف الروح والجسد إلى جوار الرب الكريم المنان في خلوة مشروعة تتخلص النفس فيها من أوضار المتاع الفاني، واللذة العاجلة، وتبحر الروح في الملكوت الطاهر؛ طالبة القرب من الحبيب مالك الملك ملتمسة لنفحاته المباركات.
-الاعتكاف الذى نريد هو الخلوة الصادقة مع الله تفكرًا في آلائه ومننه وفضائله، واعترافًا بربوبيته وإلهيته وعظمته، وإقرارًا بكل حقوقه، وثناء عليه بكل جميل ومحمود.
-الاعتكاف الذى نريد قيام وذكر وقراءة قرآن، وإحياء لساعات الليل بكل طيب وصالح من قول وعمل.
-الاعتكاف الذى نريد فرصة للخلوة الفكرية التي يستطيع بها الداعية أن يحكم على مساره ويقيم إنجازاته:
هل ما زال يسير وفق الخطوة المرسومة إلى الهدف المحدد، أم مال عنه؟ وما نسبة الميل؟ وهل تراه يحتاج إلى تعديل المسار أم مراجعة الهدف وإعادة صياغته؟
إن فترة الخلوة الروحية في الاعتكاف عظيمة لتحقيق الخلوة الفكرية؛ إذ تكون النفس أقرب إلى التجرد من حظوظ النفس وأوْلى بمحاكاة المثالية التي تلفظ العادة الدارجة، ولكونها محطة توقف عن العمل يسهل استئنافه بعدها وفق الشكل الجديد الأسلم.
-الاعتكاف الذى نريد ليس هو الاعتكاف الذي يجعل المساجد مهاجع للنائمين، وعناوين للمتزاورين، وموائد للآكلين، وحلقات للتعارف وفضول الكلام."كما يقول الدكتور العريفى"
-إن الاعتكاف الذى نريد هو ذلك الذي ينقل المرء إلى مشابهة حياة السلف الصالح في كل همسة ولفتة.
-إنه الاعتكاف الذي تسيل فيه دموع الخاشعين المتدبرين، وترفع فيه أكف الضارعين المتبتلين، ويسعى فيه صاحبه جاهدًا لئلا تضيع من ثواني هذه الأيام لحظة واحدة في غير طاعة؛
-إنه الاعتكاف الذي يحقق مفهوم التربية الذاتية لمشابهة المحسنين يستغله المرء ليصل إلى مرتبة عالية، فيكون لسانه رطبًا من ذكر الله تعالى، ويستعرض كتاب الله تلاوة وتأملًا وتفسيرًا، ويصل إلى المراتب العليا في المحافظة على الصلاة تبكيرًا وخشوعًا، ويألف مكابدة قيام الليل تلذذًا وخشية ...
الآن وقد علمت الاعتكاف الذى نريد تعال معى وكن مع"ابن القيم"وهو يكشف لنا بعض أسرار الاعتكاف فيقول:
"لما كان صلاحُ القلبِ واستقامتُه على طريقِ سَيرِه إلى الله تعالى مُتوقِّفًا على جَمعِيتِه على الله تعالى، وكان فضولُ الطعامِ والشرابِ وفضولُ المخالَطة وفضولُ الكلام، وفضولُ المنام مما يزيدُه شَعثًا، ويُشتِّته في كلِّ وادٍ، ويَقطعُه عن سيرِه إلى الله تعالى، أو يُضعفه أو يُعوِّقه ويُوقِفُه؛ اقتضَت رحمةُ العزيزِ الرحيمِ بعبادِه أنْ شَرعَ لهم من الصومِ ما يُذهبُ فُضولَ الطعامِ والشرابِ .. وشرعَ لهم الاعتكافَ الذي مقصودُه وروحُه عُكوفُ القلبِ على الله تعالى .. فيصيرُ أُنسُه بالله بدلًا عن أُنسِه بالخلق، فيُعِدُّه بذلك لأنسِه به يومَ الوحشة في القبور، حين لا أنيسَ له ولا ما يفرحُ به سواه؛ فهذا مقصودُ الاعتكافِ الأعظم. ولما كان هذا المقصودُ إنما يتم مع الصوم؛ شرعَ لهم الاعتكاف في أفضلِ أيام الصوم، وهو العُشرُ الأخيرُ من رمضان".
وفى الاعتكاف الذى نريد ندعوك أن:
1 -تتلذذ بذكر الله:
قال مالك بن دينار ـ رحمه الله ـ:
(ما تلذذ المتلذذون بمثل ذكر الله ـ عز وجل ـ فليس شيء من الأعمال أقل مؤونة منه ولا أعظم لذة، وأكثر فرحة وابتهاجًا للقلب)
لأن للذكر في الاعتكاف حلاوته , وللصلاة فيه خشوعها , وللمناجاة فيه شفافيتها. وإنها لتسكب في القلب أنسا وراحة وشفافية ونورا
فعلى العاقل أن يجعل من اعتكافه فرصة لتقوية علاقته بكتاب الله ـ تعالى ـ قراءة وتدبرًا وخشوعًا وفهمًا ..
2 -تتقلل من الطعام:
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)