وانتصرت إرادة الشعب، وسد باب من أبواب السطو الملكى الكريم!! وبقى هذا الدستور ثلاثين عاما، عطل في أثنائها مرة، وزورت الانتخابات في وجوده مرارا، ومع كل الأزمات التى أصابته فإن الحريات العامة تغلبت على العلل المصنوعة، فنمت الرجولة، ونضجت الكرامة، وانتعش العلم والأدب، وتكونت جماعات دينية قوية، واستطاع الإخوان المسلمون أن ينسجوا شبكة من الشعب الفتية في أرجاء البلاد كلها. لكن الأمر الذي يقبض الصدر ويحدث الأسى أن موقف المتدينين من هذا الدستور كان قلة الاكتراث. فالأزهر الرسمى كان إلى جانب القصر الملكى، والهيئات الإسلامية الشعبية تقدر النعمة المتاحة لها في ظل هذه الحريات المبذولة .. ولكن شيئا من هذا لم يكن يجيز لجمهور المتدينين أن يقف متفرجا في ميدان الصراع بين القصر والوفد على احترام هذا الدستور أو إسقاطه .. فإن ضياع الحرية واستبداد الفرد هما مهلكة الأمم والقيم وذهاب اليوم والغد .. ذلك، والرجال الذين لا يكسبون نصرا للدين في مجال الحرية ليسوا أهلا لقيادة، ولا أحقاء بالبقاء في أى ميدان .. وأذكر أنى قابلت أستاذى الكبير الإمام حسن البنا، لأشكو إليه موقف المتدينين عامة من قضية الحريات الدستورية، وكان يصحبنى الأستاذ خالد محمد خالد، وبوصفى عضوا مؤسسا في جماعة الإخوان فقد تحدثت يومها كثيرا، وكان حوارا عاصفا قلت فيه: إن المركز العام لا يدفع عن الدستور كما ينبغى، وتمادى بى الغضب فقلت: كأنى أسمع جرس الملكية يدق هنا!! ص _116