وليس يعنيه أبدا أن تحرم الأمة الانتفاع من مواهب بنيها أو مسابقة غيرها في أى مجال مادى أو أدبى فإن همه الأوحد أن ينفرد بالمجد، وليذهب ما عداه إلى الجحيم .. أمام ذوى الامتياز والمقدرة فرصة واحدة ليعيشوا، هى أن يجثوا في محراب الوثنية السياسية، ويحرقوا البخور للحاكم بأمره، وعندئذ يؤذن بهم بالتحرك في حدود ما يشاء .. وقد رأيت في تجاربى وخلال دراستى لتاريخ أمتى أن عبقريات كثيرة ولدت في ظلام هذه الأوضاع فليس كل ذى موهبة يصلح ذنبا لصنم كبير، بل إن أكثر المواهب تحتاج للتشجيع أو للتدليل كى تنتعش وتنمو. ورب عبقرى كبا أول عمره ثم أسعفته الأيدى الحانية فنهض ومضى في طريقه ليتحول مع الأيام إلى قمة مرموقة .. إن العبقريات - في أغلب الأحيان - تبدأ نبتا رقيقا يمكن أن تدوسه قدم غليظة فتأتى عليه، ولكنه إذا وجد السقيا والرعاية نما وأزهر وأثمر. وليت شعرى ما قيمة الأمم إذا قتلت أنفس معادنها، وتولى الرعاع وحدهم قيادها؟؟ في أى ميدان علمى أو اقتصادى أو عسكرى وسياسى يمكن أن تنجح .. ؟ وإذا كان الحاسدون والحاقدون يستمكنون من اقتراف هذه الجرائم فماذا ننتظر؟ سمعت رجلا يقول: إن الله قسم الحسد اثنى عشر جزءا، خص العرب بأحد عشر وقسم الجزء الباقى على أهل الأرض فهو يسرح بينهم سحابة النهار، ثم يعود لينام في أرض العرب بقية الليل!! الحق أنى فزعت من هذا المثل الرهيب! ولما نظرت فيه وجدت أن العيب ليس في جماهير العرب ولكنه في رؤسائهم وحكامهم من عهد مبكر، أى أن الاستبداد السياسي هو الذي يتحمل وزر القتل العمد لعشرات ومئات من المفكرين والعظماء الذين أهيل عليهم التراب ليستمتع بالشهرة فرعون صغير هنا وهناك .. ص _131