ويستحيل على عاقل أن يرد ذلك إلى التخفف من عبء مالى، إلا إذا كان الإنسان يستسهل بذل الروح ويستصعب دفع قروش! والغريب أن أحد الولاة السفهاء هاله أن أعدادا كثيفة من المصريين دخلت في الإسلام وأن الضريبة المفروضة نقصت، واضطربت بذلك موارد الخزانة. فماذا صنع هذا الوالى الأحمق؟ استبقى الجزية على من يسلم من النصارى! ومع ذلك بقى المصريون يدخلون في دين الله أفواجا، ويدفعون المال المطلوب. حتى جاء عمر بن عبد العزيز فكتب إلى حاكم مصر يقول له: ويحك إن محمدا بعث هاديا ولم يبعث جابيا، ضع الجزية عمن أسلم. فاستراح المسلمون الجدد من الظلم النازل بهم، أو الفتنة التى تصدهم عن سبيل الله. وظاهر من هذا السياق التاريخى الحاسم أن المصريين آثروا الإسلام عن حب، وأن إعجابهم به هو الذي دفعهم إليه، وأنهم قاوموا بعض العرب السفهاء الذين عرقلوا خطاهم وهم يحفون إلى اعتناق الإسلام!! إن هذا المنظر الغريب لم يكن حكرا على وادى النيل، فقد شرق الإسلام وغرب، وطوى السهول والجبال، والطاقة الفذة التى يندفع بها هى صلاحيته الذاتية أولا ثم أهل الفداء والعبادة من الفقهاء والدعاة والقراء والتجار، وقليل من الحكام الطيبين. لم تكن أجهزة الحكم مشغولة بنشر الدين أو مهتمة باستغلال سلطتها في إكراه الناس عليه .. كان الحاكم المسلم أشبه بتاجر يفخر بنفاسة ما عنده من سلع فهو لا يحسن العرض ولا الإغراء ولا استجلاب"الزبائن". حاجة الناس إلى الأجود ستضطرهم إلى الزحام على بابه. ص _040