وطبيعة الحياة عندما فرضت خضوع الجسم للعقل إنما بنت هذا لمصلحة الجسم والعقل جميعا، على أساس أن العقل يصدر عنه ما يضر الجسم أو يؤدى به إلى التهلكة. فإذا استحمق امرؤ وشرع يخلط، حجرنا عليه فورا، إنقاذا له من شر نفسه وإنقاذا للجماعة منه. كذلك اطردت فطرة الله في شئون الحياة كلها: فقوانين السمع والطاعة التى سنها الإسلام، بل التى وضعتها نظم أخرى وطبقتها بصرامة، لم يقصد بها إلا حفظ المصلحة العليا للجماعة، فكأنما أملت بها غريزة البقاء وضرورة الحياة. ولا مجال البتة لجعلها متنفس هوى جامح أو شهوة عارضة. وعندما شرع قانون السمع والطاعة لم يفترض في الأطراف التى تمثله إلا قيادة راشدة تنطق بالحكمة وتصدع بالحق وتأمر بالخير، ثم جنود يلبون النداء ويمنعون العوائق ويتممون الخطة. وبذلك تنتظم دورة القانون في الأمة كما تنتظم دورة الدم في البدن فتستقيم الحياة وتستقر الأوضاع. أما الطاعة العمياء لا لشىء إلا لأن القائد أمر، وأمره واجب الإنفاذ، فذلك منكر كبير وجهالة فاحشة لا يقرها شرع ولا عقل. روى الإمام أحمد في مسنده قال: بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سرية واستعمل عليهم رجلا من الأنصار فلما خرجوا وجد عليهم الرجل في شىء - تبرم بسيرته-م معه - فقال لهم: أليس قد أمركم رسول الله أن تطيعونى؟ فاجمعوا إلى حطبا .. ثم دعا بنار فأضرمها فيه، ثم قال: عزمت عليكم لتدخلنها. ص _060