بيد أن الترتيب المستفاد من تعاليم الإسلام أن تكوين الدولة يتم بعد تكوين الفرد، وأن وضع النظام يجىء بعد إنضاج الإيمان، وقد تنزلت آيات الأحكام بعد مهاد عريض من اليقين والإخلاص وإرادة الآخرة .. إن التطلع إلى الحكم كما يكون لإعلاء كلمة الله قد يكون لرغبات خاصة كامنة أو مكشوفة .. ! والحكم الإسلامى قبل أن يكون لمعان أسماء أو تسنم مجد، هو تفانٍ في الله ورغبة فيما عنده .. وإلا فالأمر كما قال الله:"من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون * أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون". وقد كنت أعظ نفسى وإخوانى بهذه الحقائق من ديننا، وأقول: إنه قبل أن يكون المرء صاحب منصب رسمى يستطيع أن يؤدى للإسلام أجل الخدمات في الميدان الثقافى والاجتماعى .. والذين يسوفون في البلوغ بأمتهم سن الرشد ـ حتى يتسلموا أزمة الحكم ـ لن يفعلوا شيئا طائلا حين يحكمون. وقلت ـ لنفسى وإخوانى ـ: إن الحكام في الشرق العربى والإسلامى يعدون المناصب حياتهم .. فالرئيس أو الوزير في أوروبا مثلا قد يترك وظيفته ويسير آمنا في أية مدينة أو قرية .. أما في شرقنا العليل فإن عددا من الزعماء إذا ترك الحكم تابعته ترات قد تودى به، وتخترم أجله، ومن ثم فإن حرصه على الحكم لون من دفاعه عن حياته .. ورؤساء كثيرون يشعرون بالخطر على أشخاصهم إذا أحسوا أن الدعاة المسلمين ينشدون الحكم أول ما ينشدون .. ومن أجل ذلك فهم يشمون رائحة الموت من وراء المطالبة بالحكم الإسلامى. ونحن المسلمين لسنا قتلة، ولا تحركنا عداوات خاصة، ولا نطلب الحكم لنحيا ويفنى غيرنا .. ص _091