فهرس الكتاب

الصفحة 1331 من 2442

قوله تعالى: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} [الأحزاب:6] .

أي: أن زوجات النبي عليه الصلاة والسلام هن بالنسبة لكل مسلم كالأم احترامًا وكالأم برًا وكالأم تقديرًا، ويحرم الزواج بهن بعد رسول الله عليه الصلاة والسلام في أنفسهن فقط، وليس أخواتهن ولا بناتهن كأخوات وبنات الأم الحقيقية؛ لأن الأم الحقيقية أخواتها خالات لولدها، وليس كذلك زوجات النبي عليه الصلاة والسلام، فزوجاته يحل الزواج ببناتهن منه ومن ربائب النبي عليه الصلاة والسلام، كما يحل الزواج بأخواتهن وليس كذلك الأم الحقيقة؛ لأن الزبير بن العوام تزوج أسماء بنت أبي بكر وهي أخت عائشة أم المؤمنين، ولم يقل عنها: هي خالة، وتزوج هند بن أبي هالة من بنات المسلمين، وهو ربيب رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن أم المؤمنين الأولى خديجة، ولم يقل أحد: إنه خال المؤمنين، كما لا يقال لأخواتهن: خالات، ولا لأولادهن أخوال.

ومن هنا لم يقل لـ معاوية: خال وهو أخو أم حبيبة، كذلك من كان أخًا لبقية أمهات المؤمنين كإخوة عائشة محمد وعبد الرحمن لم يقل لهما أحد: يا خال، أو أنت خالي، وإنما الأمومة هي في كونهن لا يزوجن لأحد قط بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك لا يحل الخلوة بهن، ولا يحل كلامهن إلا من وراء حجاب، وقد قال تعالى: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ} [الأحزاب:53] .

ولم تكن أمًا للمؤمنين إلا التي دخل بها صلى الله عليه وسلم، أما التي طلقت قبل الدخول فهي لا تعتبر أمًا، وليست لها حرمة الأمهات في تحريم الزواج بها.

وفي قراءة أبي بن كعب وعبد الله بن عباس رضي الله عنهما: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وهو أب لهم) .

وكون النبي صلى الله عليه وسلم أبًا للمؤمنين إنما هي أبوة احترام وتعظيم وعطف، وإلا فالنبي عليه الصلاة والسلام ليس أبا أحد من الرجال أبناء الصلب؛ فأولاده ماتوا أطفالًا، مات القاسم طفلًا، ومات إبراهيم طفلًا ولم يبلغا مبلغ الرجال، {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} [الأحزاب:40] ، وإن كان يقال للأحفاد وللأسباط: أبناء، فقد قال النبي عليه الصلاة والسلام عن الحسن بن علي عليه السلام: (إن ابني هذا سيد، ولعل الله يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين) .

وقال عن الحسن والحسين: (ابناي هذان ريحانتي من الدنيا، وهما سيدا شباب أهل الجنة) ، وهذا أمر مجمع عليه، فإنه يقال لأولاد فاطمة الحسن والحسين وأم كلثوم: أبناء رسول الله صلى الله عليه وسلم بنوة سلالة، بنوة ابن البنت، بنوة السبط.

وقد قال عليه الصلاة والسلام لـ أنس بن مالك خادمه: (يا بني) ، وقال لغلمة من بني عبد المطلب: (أنتم بني) ، وقد قال عليه الصلاة والسلام كما في الصحيح: (أنا لكم كالوالد أعلمكم) .

فالنبي عليه الصلاة والسلام هو أب للمؤمنين أبوة احترام وتعظيم، مع أن من عادة العرب أن تقول للكبير عمًا، وتقول للكبير أبًا، أبوة احترام وعمومة احترام، والنبي أولى بذلك من عموم المؤمنين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت