فهرس الكتاب
قال الله تعالى: {مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا} [الأحزاب:61] .
فقوله: (مَلْعُونِينَ) أي: حال كونهم مطرودين من رحمة الله، وحال كونهم مغضوبًا عليهم من الله ورسوله.
وقوله: {أينما ثُقِفُوا} [الأحزاب:61] أي: أينما وجدوا.
وقوله: {أُخِذُوا} [الأحزاب:61] أي: أسروا واعتقلوا وأمسكوا.
وقوله: {وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا} [الأحزاب:61] في لغة العرب أن زيادة المبنى في الكلمة يدل على زيادة المعنى، كان يكفي أن يقال: وقتلوا فقط.
فقوله: {مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا} [الأحزاب:61] يأمر الله نبيه بقتلهم، وهذا أمر بصيغة الخبر أن يقتلهم قتلًا مدمرًا، أو يطردهم بحيث لا يبقي منهم أحدًا في المدينة، أو يأسرهم فيبيعهم كما يباع الرقيق.
إذًا: سلط الله النبي عليه الصلاة والسلام على هؤلاء المنافقين وأمره بتأديبهم؛ لما يقومون به من فساد وفسوق ونفاق وإرجاف وكذب على الله والرسول في المدينة، وشأن اليهود الفساد، وهم الذين أفسدوا طائفة من الأوس والخزرج، حتى صاروا منافقين متظاهرين بالإسلام وهم ليسوا كذلك، وكانت النتيجة أن نبي الله عليه الصلاة والسلام بعد أن نزلت عليه هذه الآية قام على المنبر في مسجده النبوي، وذكر النفاق والمنافقين وأخذ يشير إليهم: قم يا فلان قم يا فلان قم يا فلان، وطردهم من المسجد وأعلن نفاقهم، وإذا بهم يكشفون، فيهجرون ويطردون ويلعنون.
وكانت النتيجة بعد ذلك أن خرج عن جواره من المدينة من خرج خوفًا على حياته، وحضر منهم من حضر القتال مع الرسول صلى الله عليه وسلم، وبقي منافقًا، فقتل قتل الكافرين.
مثال ذلك: أنه في معركة من المعارك رأى الصحابة رجلًا يقاتل قتالًا في غاية ما يكون من الحماسة والشجاعة ويصول على الأعداء يمينًا وشمالًا وأمامًا وخلفًا إلى أن جرح، فذهبوا يخبرون رسول الله عليه الصلاة والسلام عن بلائه وشجاعته وقتاله، فقال لهم: (هو في النار، فعجبوا وقالوا له: إن كان هذا معنا وقد أبلى وهو في النار فأين نحن ولم نبل بلاءه ولم نقاتل قتاله؟ قال لهم رسول الله عليه الصلاة والسلام: هو في النار) .
فذهبوا ليترصدوه ويترقبوه، فأتوه وهو يجود بنفسه ويحتضر ويموت، فقالوا له: هنيئًا لك يا فلان الجنة، قال: والله لم أقاتل من أجل الدين وإنما أقاتل عصبية وأقاتل للقبيلة والعشيرة، فتبين أنه تظاهر مع المؤمنين أنه مؤمن وكان كذابًا منافقًا.
قال ابن عباس: هذا خبر في الآية بمعنى الأمر، وكأن الله يقول للنبي عليه الصلاة والسلام: اطرد هؤلاء عن جوارك، وأبعدهم عن كرامة المؤمنات وشرفهن أو اقتلهم تقتيلًا.
ومن هنا قال علماؤنا: الحدود في الزنا تكون جلدًا للأعزب، ورجمًا للمحصن المتزوج.
هذا إذا تراضى هو وإياها ودخلا مكانًا لا يراهما الناس ثم كشفا، أما إذا اختطفها، فهذا يعتبر مفسدًا في الأرض، وجزاء هذا أن يقتل ويصلب، بأن تقطع يده ورجله من خلاف بهذه الآية وبالآيات الأخرى.
والأحكام تؤخذ من مختلف الآي، كما في قوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا} [المائدة:33] وهذه الآية فيها: حيثما وجدوا فإنهم يقتلون تقتيلًا قال تعالى: {مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا} [الأحزاب:61] .
إذًا: هؤلاء مفسدون في الأرض؛ لأنهم أخافوا وأرعبوا المؤمنات في دينهن، وفي عرضهن وشرفهن.
وهذه الآية التي في سورة الأحزاب خاصة بالزناة، وتلك التي في سورة المائدة عامة بالزنا وغيره من أنواع الفساد، فجزاء هذا أن يقتل، والتقتيل معناه: أن تقطع يده ورجله ويترك بدون حسم حتى يموت، أو يصلب حيًا ويبقى مصلوبًا إلى أن ينزف دمه ويموت مصلوبًا.