فهرس الكتاب

الصفحة 133 من 817

أي: وجدناها مُتْلِفة.

وقوله:

فمضى وأخاف من قُتَيلة موعِدا1

أي: صادفه مخلفًا.

وقول رؤبة:

وأهيج الخلطاء من ذات البرق2

أي: صادفها مهتاجة النبت.

ومنه قوله الله تعالى: {وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا} 3 أي: صادفناه غافلًا، ولو كان أغفلنا هنا منقولًا من غفل -أي: منعناه وصددناه- لكان معطوفًا عليه بالفاء"فاتَّبَعَ هواه".

وذلك أنه كان يكون مطاوعًا، وفعل المطاوعة إنما يكون معطوفًا بالفاء دون الواو، وذلك كقوله: أعطيته فأخذ، ودعوته فأجاب، ولا تقول هنا: أعطيته وأخذ، ولا دعوته وأجاب، كما لا تقول: كسرته وانكسر، ولا جذبته"30ظ"وانجذب؛ إنما تقول: كسرته فانكسر، وجذبته فانجذب، وهذا شديد الوضوح والإنارة على ما تراه.

وكذلك لو كان معنى أغفلنا في الآية منعنا وصددنا لكان معطوفًا عليه بالفاء، وأن يقال: ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا فاتبع هواه4، وإذ لم يكن هكذا، وكان إنما هو"واتبع"فطريقه أنه لما قال:"أغفلنا قبله عن ذكرنا"فكأنه قال: وجدناه غافلًا، وإذا وُجد غافلًا فقد غفل لا محالة، فكأنه قال إذن: ولا تطع من غفل قبله عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطًا؛ أي: لا تطع مَن فعل كذا، يعدد أفعاله التي توجب ترك طاعة الله سبحانه، ونسأل الله توفيقًا من عنده ودُنُوًّا من مرضاته بمنِّه ومشيئته، فهذا أحد وجهي"تُغْمَضُوا فيه"؛ أي: إلا أن توجدوا مُغْمِضين متغاضين عنه.

والآخر: أن يكون"تُغْمَضُوا فيه"أي: إلا أن تُدخلوا فيه وتُجذبوا إليه، وذلك الشيء الذي يدعوهم إليه، ويحملهم عليه هو: رغبتهم في أخذه ومحبتهم لتناوله، فكأنه -والله أعلم-

1 للأعشى، وصدره:

أثوى وقصر ليله ليزودا

وروي: فمضت وأخلف. أثوى بالمكان: أقام، لغة في ثوى. وانظر: الديوان: 227، واللسان: أخلف، وثوى.

2 الخلصاء: أرض بالبادية، والبرق: جمع برقة؛ أرض غليظة مختلطة بحجارة ورمل. وانظر: الديوان: 105، واللسان: هيج، ومعجم البلدان.

3 سورة الكهف: 28.

4 لا يخفى ما فيه من التَّكْرَارِ مع ما قبله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت