بسم الله الرحمن الرحيم
هارون عن طُلَيْق المعلِّم قال: سمعت أشياخنا يقرءون:"لَيَأْتِيَنَّكم"1، بالياء.
قال أبو الفتح: جاز التذكير هنا بعد قوله تعالى: {لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ} ، لأن المخوف منها إنما هو عقابها، والمأمول ثوابها؛ فغلب معنى التذكير الذي هو مَرْجو أو مخوف؛ فذكَّر على ذلك وإذا جاز تأنيث المذكر على ضرب من التأول كان تذكير المؤنث -لغلبة التذكير- أحرى2 وأجدر. ألا ترى إلى قول الله سبحانه: {يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ} 3؛ لأن بعضها سيارة أيضا؟ وعليه قولهم: ذهبَتْ بعضُ أصابعه؛ لأن بعضها إصبع في المعنى.
وحكى الأصمعي عن أبي عمرو قال: سمعت رجلا من اليمن يقول: فلان لغوبٌ4، جاءته كتابي فاحتقرها. فقلت له: أتقول: جاءته كتابي؟ فقال: نعم، أليس بصحيفة. وهذا من أعرابيٍّ جافٍ هو الذي نبه أصحابنا على انتزاع العلل. وكذلك ما يجري مجراه فاعرفه، وكذلك الآية المقدم ذكرها.
ومن ذلك ما رواه عمرو بن ثابت5 عن سعيد بن جبير:"تَأْكُلُ مِنْ سَأَتِهِ"6، قال من عصاه.
2 في ك: أقوى.
3 سورة يوسف: 10.
4 اللغوب: الضعيف الأحمق.
5 هو عمرو بن ثابت الأنصاري المدني، روى عن أبي أيوب الأنصاري وعائشة، وروى عنه الزهري ويحيى بن سعيد الأنصاري. وثقه النسائي. الخلاصة: 138.
6 سورة سبأ: 14، وفي البحر"7: 267"عن"الساة"وكيف سميت بها العصا: قيل ومعناه من عصاه. يقال لها: سأة القوس وسيتها معا، وهي يدها العليا والسفلى. سميت العصا سأة القوس على الاستعارة، ولا سيما إن صح النقل أنه اتخذها من شجر الخروب قبل موته، فتكون حين اتكأ عليها، وهي كما قطعت من شجرة خضراء قد اعوجت حتى صارت كالقوس.