فهرس الكتاب

الصفحة 321 من 817

ولهذا قالوا: حبذا زيد، ولم يقولوا: حبذاك؛ لأنه موضع بِشَارَة وتَحَفٍّ به، فالقرب أولى به من البعد؛ ولهذ قالوا فيمن يُصطفى: قد أدناه منه، وقد قرُب من قلبه، وعليه قال:

ودارٌ أنت ساكنها حبيب ... تَوَددُهَا إلى قلبي قريب"79و"

فهذا طريق قراءة الجماعة: {أَلا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ} ، وإن شئت كان من هذا الطَّرْز1، وإن شئت كان من معنى اللعنة.

ومن ذلك قراءة الزهري وسليمان2 بين أرقم:"لَمًّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ"3 بالتنوين. ابن مسعود والأعمش:"إِنْ كُلٌّ إِلَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ".

قال أبو الفتح: أما"لَمًّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ"بالتنوين، فإنه مصدر كالذي في قوله سبحانه: {وَيأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا} 4 أي: أكلًا جامعًا لأجزاء المأكول، فكذلك تقدير هذا: وإنَّ كلا ليوفينهم ربك أعمالهم لَمًّا؛ أي: توفية جامعة لأعمالهم جميعًا، ومحصلة5 لأعمالهم تحصيلًا، فهو كقولك: قيامًا لأقومن، وقعودًا لأقعدن.

وأما"إِنْ كُلٌّ إِلَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ"فمعناه: ما كُلٌّ إلا والله ليوفينهم، كقولك: ما زيد إلا لأضربنه؛ أي: ما زيد إلا مستحق لأن يقال فيه هذا، ويجوز فيه وجه ثانٍ؛ وهو أن تكون"إن"مخففة من الثقيلة، وتجعل"إلا"زائدة، وقد جاء عنهم ذلك، قال:

أرى الدهر إلا منجنونا بأهله ... وما طلب الحاجات إلا مُعَلَّلا6

1 النسق والطريقة.

2 هو سليمان بن أرقم أبو معاذ البصري مولى الأنصار، وقيل: مولى قريش. روى عن الحسن البصري قراءته، وهو ضعيف مجمع على ضعفه. روى الحروف عنه علي بن حمزة الكسائي. طبقات القراء لابن الجزري: 1/ 312.

3 سورة هود: 111.

4 سورة الفجر: 19. و"يأكلون"بالياء قراءة أبي عمرو ويعقوب، ووافقهما اليزيدي، والباقون بالخطاب. وانظر: الإتحاف: 271.

5 في ك: محصلة تحصيلًا.

6 الرواية المشهورة:

وما الدهر إلا منجنوبا بأهله ... وما طالب الحاجات إلا معذَّبا

وينسب إلى بعض الغرب. والمنجنون: الدولاب الذي يستقى عليه، مؤنث. الخزانة: 2/ 129.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت