فلو كنت ضبيا عرفت فرابتي ... ولكن زنجيا غليظ المشافر1
أي: ولكن زنجيا غليظ المشافر لا يعرف قرابتي، فحذف الخبر لدلالة ما قبله عليه، وهو قوله: عرفت قرابتي، كما أن قوله: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ} يدل على أنه مخالف لهذا الضرب من الناس، ونحو من ذلك قول طرفة:
وتبسِمُ عن أَلْمَى كان مُنَوِّرًا ... تخلل حُرَّ الرملِ دعصٌ له نَدِي2
قال أبو الحسن علي بن سليمان: لم يأت لكأن بخبر، علما بمعرفة موضعه، أي: كأن ذلك المنور ثغرها، فحذفه للعلم به، ولطول الكلام.
ومن ذلك قراءة أبي بن كعب والحسن والثقفي وسلام:"أَنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ"3، بفتح الألف.
قال أبو الفتح: تقديره لأن وهبت نفسها، أي أنها تحل له من أجل أن وهبت نفسها له، إلا أن حل ذلك لذلك عند هبتها نفسها له وإن هي وهبت نفسها له4. وليس يعني بذلك امرأة بعينها قد كانت وهبت نفسها له، وإنما محصوله أنها إن وهبت امرأة نفسها للنبي"صلى الله عليه وسلم"حلت له من أجل هبتها إياها له عليه السلام، فالحل إذا إنما هو مسبب عن الهبة متى كانت، فلهذا لم يعتزم به واحدة معينة قد كانت وهبت نفسها له، ويؤكد ذلك القراءة بالكسر، فصح به الشرط.
ومن ذلك قراءة أبي إياس جوية بن عائذ:"بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلَّهُنَّ5"، بنصب اللام.
1 المشافر: جمع مشفر، وهو للبعير كالشفة للإنسان. واستعاره منه لما قصد من تشنيع خلق من يهجوه والقرابة التي بين الفرزدق وضبة أنه من تميم بن مر بن أد بن طابخة، وضبة هو ابن أد بن طابخة. والبيت في الكتاب: 1: 282، وهو مفرد في الديوان، ومنقول عن الكتاب.
2 البيت من معلقة الشاعر. وألمى: يريد به ثغرا ألمى، وهو الذي يضرب لون شفتيه كل شيء. والدعص: الكثيب من الرمل. وانظر شرح المعلقات السبع للزوزني: 45، 46.
4 كذا في النسختين.
5 سورة الأحزاب"51."