فهرس الكتاب

الصفحة 738 من 817

ومن ذلك ما رواه الأعمش عن مجاهد:"وَالْأَرْضَ من ذَلِكَ دَحَاهَا1".

قال أبو الفتح: ليست هذه القراءة مخالفة المعنى لمعنى القراءة العامة: {بَعْدَ ذَلِك} ، لأنه ليس المعنى -والله أعلم- أن الأرض دحيت مع خلق السموات وفي وقته، وإنما اجتماعهما في الخلق، لا أن زمان الفعلين واحد. وهذا كقولك: فلان كريم، فيقول السامع: وهو مع ذلك شجاع، أي: قد اجتمع له الوصفان، وليس غرضه فيه ترتيب الزمان.

ومن ذلك قراءة عكرمة:"وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى2"، بالتاء مفتوحة.

قال أبو الفتح: إن شئت كانت التاء في"ترى"للجحيم، أي: لمن تراه النار. وإن شئت كانت خطايا للنبي"صلى الله عليه وسلم"أي: لمن ترى يا محمد، أي: للناس، فأشار إلى البعض، وغرضه جنسه وجميعه، كما قال لبيد:

ولقد سئمت من الحياة وطولها ... وسؤال هذا الناس: كيف لبيد3؟

فأشار إلى جنس الناس في هذا المعنى، ونحن نعلم أنه ليس جميعه مشاهدا حاضر الزمان.

فإن قيل: فإن النبي"صلى الله عليه وسلم"كان بحضرته المؤمنون الذين قد شهد لكثير منهم بالجنة، وشهد من حال الإيمان لهم بها، فكيف يجوز أن يقول الله له: النار لهؤلاء الذين تراهم؟.

قيل: يخصه ويخلصه محصول معناه، فهذا كقوله"تعالى": {فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا 4} ، وقوله: {وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيل 5} ، وقوله: {وَقَلِيلٌ مَا هُم 6} ، كأنه عام لجميع من يقع البصر عليه، إغلاظا، وإرهابا. والمؤمنون مستثنون منه بما تقدمت الأدلة عليه، وله أشباه كثيرة.

ومن ذلك قراءة السلمي:"أَيَّان8"بكسر الألف.

قال أبو الفتح: قد تقدم القول على ذلك9"."

1 سورة النازعات: 30.

2 سورة النازعات: 36.

3 انظر الصفحة 189 من الجزء الأول.

4 سورة الإسراء: 89.

5 سورة هود: 40.

6 سورة ص: 24.

7 سورة سبأ: 13.

8 سورة النازعات: 42.

9 انظر الصفحة 268 من الجزء الأول، والصفحة 288 من هذا الجزء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت