مؤدى رواية ابن القاسم من المالكية، إذ قال: لو أسقط ثلاث تكبيرات سجد للسهو، وإلا بطلت الصلاة- انتهى. ومنها ما يفهم من كلام بعض الحنفية في رسالته في مسألة رفع اليدين: أن الرفع والترك كلاهما ثابتان في الخارج لاتصال العمل بهما من لدن عصر النبوة إلى يومنا هذا، لكن من استقصى صفة الصلاة من الصحابة لم يذكر كثير منهم الرفع، وسكوتهم عن ذكره في حكم ذكر الترك، وحينئذٍ يزيد عدد روايات الترك على روايات الرفع، ومن المعلوم أن الكثرة من المرجحات عند الاختلاف كما صرح به الحازمي والعيني وغيرهما. وفيه أنه لم يثبت ترك الرفع في الخارج عن أحد إلا عن جماعة من أهل الكوفة كما تقدم، وعلى هذا فالروايات التي ليس فيها ذكر الرفع مع بيان صفات الصلاة الأخرى تحمل على أن الرواة اختصروا فيها ذكر الرفع لشهرته، فربما يذكر الراوي ما يحتاج إليه السائل، ويحذف ما كان معلومًا ومشهورًا، فسكوت من سكت عن ذكر الرفع لا يكون في حكم ذكر العدم والترك، فإيراد الحنفية هذه الأحاديث المختصرة الساكتة عن ذكر الرفع لإثبات الترك إيراد في غير محلها. وأما ما قال هذا البعض: أن كثيرًا ممن استقصى صفة الصلاة لم يذكروا الرفع، فهو ادعاء محض، ولو سلم ذلك كله فلا يزيد بذلك عدد روايات الترك؛ لأن رواة الرفع قد بلغوا خمسين، بل قد صح فيه أربعمائة خبر وأثر، ورواه العشرة المبشرة على ما قاله المجد الفيروز آبادي في سفر السعادة. ولا وجه لحمل قوله على المبالغة كما توهم بعض الحنفية. ومنها ما يفهم من كلام هذا البعض أيضًا أنه جاء في التحريمة وغيرها من بعض أفعال الصلاة وأحوالها وأذكارها أحاديث قولية وفعلية، وفي بعضها أحاديث قولية فقط، ولم يرو حديث قولي في الرفع في غير الافتتاح أصلًا، وكثير ممن استقصى صفة الصلاة لم يذكره، وهذا يدل على أن الرفع ليس مقصودًا أصليًا. وفيه أن بت الحكم بعدم ورود حديث قولي في الرفع في غير الافتتاح متعذر بل هو غير صحيح، كيف وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمالك بن الحويرث وأصحابه بعد ما صلى بهم مع عمل الرفع: صلوا كما رأيتموني أصلي. فقوله هذا متضمن للأمر بالرفع في غير الافتتاح أيضًا. ولو سلم عدم ورود حديث قولي صريح فيه فلا يدل ذلك على أن الرفع ليس بمقصود أصلي؛ لأن مواظبته - صلى الله عليه وسلم - عليه ثم إجماع الصحابة عليه بعده وتواتر العمل به إلى يومنا هذا أهم وأعظم من ورود حديث قولي فيه. فهو أكبر دليل على كون الرفع مقصودًا ومطلوبًا في الصلاة. وكيف لا يكون الرفع كذلك وهو فعل تعظيمي، وهو أيضًا فعل ينبىء عن ترك ما سوى الله، وتجديد التنبه لترك ما سوى الله أصل من الصلاة مطلوب. ومنها ما يفهم من كلام هذا البعض أيضًا أن استغراب الرواة الرفع وترددهم فيه وتساؤلهم عنه يرجح الترك، فعند أبي داود أن ميمون المكي رأى عبد الله بن الزبير وصلى بهم يشير بكفيه حين يقوم وحين يركع وحين يسجد وحين ينهض للقيام، فيقوم فيشير بيديه، فانطلقت إلى ابن عباس، فقلت: إني رأيت ابن الزبير صلى صلاة لم أر أحدًا يصليها، فوصف له هذه الإشارة، فقال: إن أحببت أن تنظر إلى صلاة رسول الله