-صلى الله عليه وسلم - فاقتد بصلاة ابن الزبير. وعند أحمد في مسنده (ج2: ص145) : قال محارب بن دثار: رأيت ابن عمر يرفع يديه كلما ركع، وكلما رفع رأسه من الركوع. قال: فقلت له: ما هذا؟ قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا قام من الركعتين كبر ورفع يديه. وعنده أيضًا في (ج2: ص45) عن سالم بن عبد الله بن عمر، أنه رأى أباه يرفع يديه إذا كبر وإذا رفع رأسه من الركوع، فسألته عن ذلك، فزعم أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - يصنعه. فتردد الرواة وتساؤلهم عنه يدل على خمول الرفع فيهم، وكونه متروكًا عندهم، وإلا لما استغربوه، وهذا يقتضي كون الترك أرجح. وفيه أن هذه الأحاديث الثلاثة تدل على أن الرفع سنة مستمرة غير منسوخة؛ لأنه لو كان جواز الرفع أو استحبابه منسوخًا لما أمر ابن عباس ميمونًا المكي باقتداء صلاة ابن الزبير، ولما كان عمل ابن عباس وابن عمر بالرفع بعده - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه لا يجوز العمل بالمنسوخ، والاستمرار على غير المستحب والأولى. وكون الرفع سنة مستمرة غير منسوخة يقتضي أن الرفع أرجح من الترك. وأما قول ميمون: لم أر أحدًا يصليها، فيمكن أن يكون المراد"لم أر أحدًا أي في الكوفة"، فقد تقدم قول محمد بن نصر: أنه أجمع علماء الأمصار على مشروعية ذلك إلا أهل الكوفة. على أن ميمونًا المكي هذا مجهول، وفيه أيضًا ابن لهيعة، وفيه مقال معروف، والسائل في الحديث الثاني محارب بن دثار، وهو كوفي، وقد علمت آنفًا أن ترك هذه السنة لم يكن إلا في الكوفة، فالظاهر أن محاربًا لما رأى من ابن عمر خلاف ما عهده بالكوفة من عدم الرفع تعجب وسأل ابن عمر عن ذلك وهذا لعدم علمه بهذه السنة، وهذا لا يدل على كون الرفع مخمولًا ومتروكًا عندهم، وعلى فقدان العمل به فيهم. على أن استغراب محارب وتعجبه إنما كان من الرفع عند النهوض للركعة الثالثة، لا من الرفع عند الركوع وعند رفع الرأس منه، يدل على ذلك قول ابن عمر: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا قام في الركعتين كبر ورفع يديه، ولو لم يكن تعجب محارب من هذا الرفع لما سكت بسماع جواب ابن عمر المتقدم. وعلى هذا فإيراد هذا الحديث للاستدلال به على خمول الرفع عند الركوع والرفع منه، وعلى ترجح الترك فيهما ليس بصحيح. وأيضًا غاية ما تشير إليه هذه الروايات هو أن جماعة من الناس تسامحوا في هذه السنة فتركوها، كما أن بني أمية تركوا نفس التكبيرات، والمحافظة على أوقات الصلاة، والتعديل في الأركان ولا نعلم أحدًا استدل بتسامحهم في هذه الأمور، وترك اهتمامهم بها، وتكاسلهم عنها، على أن ترك التكبيرات والتعديل، وتأخير الصلاة عن أوقاتها أرجح، فكذلك ههنا أيضًا لا يصح الاستدلال بهذه الروايات على خمول الرفع فيهم، ولا على كون الترك أرجح. سلمنا دلالتها على خمول الرفع، لكنها تدل عليه بالإشارة. ومن المعلوم أن العبارة مقدمة على الإشارة. علا أنه لا يعبأ بترك من تركه كائنًا من كان بعد ما ثبت كونه سنة مستمرة متواترة إسنادًا وعملًا، إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل. ومنها ما قال هذا البعض أيضًا: أن تخصيص ابن عمر الرفع بالذكر من بين سائر صفات الصلاة، وتنويهه به، واهتمامه بأمره يدل على خموله في زمانه، ولذا لم يتوجه إلا إلى الرفع خاصة،