في الغرب، ومع ذلك عادوا جميعًا في آن واحد، كأنما كانوا على ميعاد؟ لا يعقل هذا إلا إذا كان الذين زوَّروا الكتاب واستأجروا راكبًا آخر انطلق إلى العراقيين ليخبرهم بأن المصريين قد اكتشفوا كتابًا بعث فيه عثمان لقتل المنحرفين المصريين، وهذا ما احتج به علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقد قال: كيف علمتم يا أهل الكوفة ويا أهل البصرة بما لقي أهل مصر، وقد سرتم مراحل ثم طويتم نحونا [1] ، بل أن عليًا يجزم: هذا والله أمر أبرم بالمدينة [2] .
إن هذا الكتاب المشؤوم ليس أول كتاب يزوِّره هؤلاء المجرمون، بل زوَّروا كتبًا على لسان أمهات المؤمنين وكذلك على لسان علي وطلحة والزبير، فهذه عائشة رضي الله عنها تُتهم بأنها كتبت إلى الناس تأمرهم بالخروج على عثمان فتنفي وتقول: لا والذي آمن به المؤمنون وكفر به الكافرون ما كتبت لهم سوداء في بيضاء حتى جلست مجلسي [3] هذا ويعقب الأعمشي فيقول: فكانوا يرون أنه كتب على لسانها [4] ، ويتهم الوافدون عليًا بأنه كتب إليهم أن يقدموا عليه بالمدينة، فينكر ذلك عليهم ويقسم: والله ما كتبت إليكم كتابًا [5] ، كما ينسب إلى الصحابة بكتابة الكتب إلى أهل الأمصار يأمرونهم بالقدوم إليهم فدين محمد قد فسد وترك، والجهاد في المدينة خير من الرباط في الثغور البعيدة [6] ، ويعلق ابن كثير على هذا الخبر قائلًا: وهذا كذب على الصحابة، وإنما كتبت كتب مزورة عليهم، فقد كتب من جهة علي وطلحة والزبير إلى الخوارج ـ قتلة عثمان ـ كُتُبٌ مزورة عليهم أنكروها، وكذلك زوَّر هذا الكتاب على عثمان أيضًا، فإنه لم يأمر به، ولم يعلم به [7] ، ويؤكد كلام ابن كثير ما رواه الطبري وخليفة من استنكار كبار الصحابة ـ علي وعائشة والزبير ـ أنفسهم لهذه الكتب في أصحَّ الروايات [8] .
(1) تاريخ الطبري (5/ 359) .
(2) تاريخ الطبري (5/ 359) .
(3) تحقيق مواقف الصحابة (1/ 334) .
(4) تاريخ خليفة بن خياط صـ 169.
(5) تحقيق مواقف الصحابة (1/ 335) البداية والنهاية (7/ 191) .
(6) تحقيق مواقف الصحابة (1/ 335) البداية والنهاية (7/ 175) .
(7) البداية والنهاية (7/ 175) .
(8) تحقيق مواقف الصحابة (1/ 335) .