فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 466

في هذا الخبر بيان لشدة الحال التي مر بها والد الحسن في المدينة، ونأخذ منها صورة من السلوك المشروع في مواجهة الشدائد حيث خرج علي للعمل بيديه للكسب المشروع، ولم يجلس منتظرًا ما تجود به أيدي المحسنين، وصورة أخرى من قوة التحمل حيث قام بذلك العمل الشاق وهو يعاني من شدة الجوع ما يضعف قوته، وصورة أخرى من إيثار الأحبة والوفاء لهم، فهو على ما به من شدة الجوع وبالرغم مما قام به من ذلك العمل الشاق قد احتفظ بأجرته من التمر حتى لقي النبي صلى الله عليه وسلم فأكل معه [1] ، إن من أهم الدروس في هذه القصة هو أن فقر الإنسان أو غناه المادي لا يعبر بالضرورة على حب الله للعبد من عدمه للعبد وإنما المعيار الحقيقي هو تقوى الله عز وجل وينبغي أن يكون تقييمنا للناس على هذا الأساس.

خامسًا: زهد السيدة فاطمة وصبرها:

كانت حياة والد الحسن رضي الله عنهما في غاية البساطة بعيدة عن التعقيد، وهي إلى شظف العيش أقرب منها إلى رغده [2] ، وهذه القصة تصور لنا حال السيدة فاطمة من التعب وموقف رسول الله صلى الله عليه وسلم منها عندما طلبت منه أن يعطيها خادمًا من السبي، قال علي لفاطمة ذات يوم والله لقد سنوت [3] ، حتى لقد اشتكيت صدري، قال: وجاء الله أباك بسبي فاذهبي، فاستخدميه [4] ، فقالت: أنا والله قد طحنت حتى مجلت يداي، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما جاء بك أي بنية. قالت: جئت لأسلم عليك واستحيت أن تسأله ورجعت فقال علي: ما فعلت؟ قالت: استحيت أن أسأله، فأتينا جميعًا، فقال علي: يا رسول الله والله لقد سنوت حتى اشتكيت صدري، وقالت فاطمة: قد طحنت حتى مجلت يداي [5] ، وقد جاءك الله بسبي وسعة فأخدمنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والله لا أعطيكما وأدع أهل الصفة تطوي [6] بطونهم، لا أجد ما أنفق عليهم، ولكني أبيعهم وأنفق عليهم

(1) التاريخ الإسلامي للحميدي (19/ 49، 50) .

(2) أنظر: معين السيرة صـ 255 للشامي.

(3) سنوت: استقيت.

(4) أي أسأليه خادمًا.

(5) مسلم رقم 2727 السيرة النبوية للصَّلاَّبَّي (2/ 99) .

(6) تطوي: طوى من الجوع، فهو خالي البطن جائع لم يأكل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت