فهرس الكتاب

الصفحة 373 من 466

مثل هاتين الآيتين عام فيشمل الإصلاح في الدين والدنيا، ومنه الإصلاح بين الناس عند حدوث المقتضى لذلك من نزاع ونحوه لا يخلو منه مجتمع من المجتمعات البشرية [1] . فهذا المقصد القرآنى الكريم، كان دافعًا للحسن بن على في الصلح، وقد تتبع خطوات جده - صلى الله عليه وسلم - في الحرص على الصلح، فقد كان النبى - صلى الله عليه وسلم - يجهد نفسه في الإصلاح ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، فقد حدث ذات يوم أن أهل قباء اقتتلوا [2] حتى تراموا بالحجارة، فأخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك فقال:"اذهبوا بنا نصلح بينهم" [3] ، فانظر كيف أن النبى - صلى الله عليه وسلم - لم يتوان عن الذهاب للإصلاح بين المسلمين حينما بدر الشقاق بينهم ليحسم الخلاف، ويعيد الوئام قبل أن يستفحل الأمر ويتسع الخرق على الراقع [4] .

ولأهمية الصلح بين الناس وفضله أجاز الإسلام الكذب فيه إذا كان القصد من ذلك الإصلاح بين المتخاصمين، فقد قال - صلى الله عليه وسلم:"ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمى خيرًا أو يقول خيرًا" [5] ، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"لا يحل الكذب إلا في ثلاث: الرجل يحدت امرأته ليرضيها، والكذب في الحرب، والكذب ليصلح بين الناس" [6] ، وما ذلك إلا لعظم خطر الخلاف بين المسلمين وفساد ذات بينهم كما بينه - صلى الله عليه وسلم:"إياكم وسوء ذات البين فإنها الحالقة" [7] أى: الخصلة التى من شأنها أن تحلق، أراد أنها خصلة سوء تذهب الدين كما تذهب الموسى الشعر [8] ، ولقد بين عليه الصلاة والسلام ما للصلح من أجر عظيم بقوله:"ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟"قالوا: بلى يا رسول الله قال:"إصلاح ذات البين فإن فساد ذات البين هى الحالقة" [9] . ولذلك كان من أمله الكبير ورجائه العظيم في

(1) أخلاق النبى - صلى الله عليه وسلم - في القرآن والسنة (2/ 971) .

(2) أى: فعلوا فعلًا يؤدى بهم إلى القتل من مضاربة بالأيدى والعصى.

(3) البخارى، ك الصلح، رقم (2690) .

(4) أخلاق النبى - صلى الله عليه وسلم - في ضوء القرآن والسنة (2/ 979) .

(5) البخارى، ك الأدب، رقم (4900) .

(6) سنن أبي داود مع عون المعبود (13/ 263) ، رقم (4900) .

(7) سنن الترمذى، رقم (2508) قال عنه الترمذى: صحيح غريب من هذا الوجه.

(8) جامع الأصول لابن الأثير (6/ 668) .

(9) سنن الترمذى، رقم (2509) وقال الترمذى: حديث صحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت