مثل هاتين الآيتين عام فيشمل الإصلاح في الدين والدنيا، ومنه الإصلاح بين الناس عند حدوث المقتضى لذلك من نزاع ونحوه لا يخلو منه مجتمع من المجتمعات البشرية [1] . فهذا المقصد القرآنى الكريم، كان دافعًا للحسن بن على في الصلح، وقد تتبع خطوات جده - صلى الله عليه وسلم - في الحرص على الصلح، فقد كان النبى - صلى الله عليه وسلم - يجهد نفسه في الإصلاح ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، فقد حدث ذات يوم أن أهل قباء اقتتلوا [2] حتى تراموا بالحجارة، فأخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك فقال:"اذهبوا بنا نصلح بينهم" [3] ، فانظر كيف أن النبى - صلى الله عليه وسلم - لم يتوان عن الذهاب للإصلاح بين المسلمين حينما بدر الشقاق بينهم ليحسم الخلاف، ويعيد الوئام قبل أن يستفحل الأمر ويتسع الخرق على الراقع [4] .
ولأهمية الصلح بين الناس وفضله أجاز الإسلام الكذب فيه إذا كان القصد من ذلك الإصلاح بين المتخاصمين، فقد قال - صلى الله عليه وسلم:"ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمى خيرًا أو يقول خيرًا" [5] ، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"لا يحل الكذب إلا في ثلاث: الرجل يحدت امرأته ليرضيها، والكذب في الحرب، والكذب ليصلح بين الناس" [6] ، وما ذلك إلا لعظم خطر الخلاف بين المسلمين وفساد ذات بينهم كما بينه - صلى الله عليه وسلم:"إياكم وسوء ذات البين فإنها الحالقة" [7] أى: الخصلة التى من شأنها أن تحلق، أراد أنها خصلة سوء تذهب الدين كما تذهب الموسى الشعر [8] ، ولقد بين عليه الصلاة والسلام ما للصلح من أجر عظيم بقوله:"ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟"قالوا: بلى يا رسول الله قال:"إصلاح ذات البين فإن فساد ذات البين هى الحالقة" [9] . ولذلك كان من أمله الكبير ورجائه العظيم في
(1) أخلاق النبى - صلى الله عليه وسلم - في القرآن والسنة (2/ 971) .
(2) أى: فعلوا فعلًا يؤدى بهم إلى القتل من مضاربة بالأيدى والعصى.
(3) البخارى، ك الصلح، رقم (2690) .
(4) أخلاق النبى - صلى الله عليه وسلم - في ضوء القرآن والسنة (2/ 979) .
(5) البخارى، ك الأدب، رقم (4900) .
(6) سنن أبي داود مع عون المعبود (13/ 263) ، رقم (4900) .
(7) سنن الترمذى، رقم (2508) قال عنه الترمذى: صحيح غريب من هذا الوجه.
(8) جامع الأصول لابن الأثير (6/ 668) .
(9) سنن الترمذى، رقم (2509) وقال الترمذى: حديث صحيح.