وترك كلامهم [1] . وقد وضعت وفاة ملكشاه في عام 485هـ حدًا لهذه المحاولات التي قام بها [2] ، على أنه يلاحظ أن ملكشاه لم يبذل في مقاومتهم جهدًا يتناسب مع قوته ومكانته فلم يتوجه بنفسه - مثلًا - لحربهم كما فعل في مناسبات كثيرة عندما كان يتهدد دولته خطر من الأخطار، كما أنه صم أذنيه عن نصائح وزيره نظام الملك عندما حذره من أخطار هذه الفئة, ولعل العذر الوحيد الذي يغفر لملكشاه سلوكه هذا أنه لم يمتد به العمر طويلًا بعد استيلاء الحسن على قلعة ألموت, وربما لو أنه مد في أجله لكان من الممكن أن يكون له مواقف [3] أكثر حزمًا.
8 -جواب حسن الصبَّاح إلى السلطان ملكشاه السلجوقي: حرص الحسن الصبّاح على مراسلة السلطان ملكشاه لعله يؤثر فيه أو يجعله يتعاطف معه وإليك شيئًا من الرسالة: .... والآن أشرح شيئًا من أحوالي واعتقادي متمنيًا أن يصغى السلطان إليّ ويعيرني فكره وألا يشاور في أمري من أركان دولته لا سيما «نظام الملك» لأن عدائي وخصومتي معهم غير خافية على السلطان، ثم بعد ذلك لا بد لي ولا مفر من اتباع رأي الملك المطاع الذي يحصل لديه كلامي ويتحققه من كتابي, وإذا خالفت أنا حسن ذلك الرأي السديد فإني أعد نفسي خارجًا عن دين الإسلام، أمّا إذا اتبع السلطان في أمري هؤلاء الخصوم فإنه يجب عليّ حينذاك أن أحتاط لنفسي وأفكر في أمري لأن أمامي خصمًا قويًا يجعل الباطل حقًا ويضع الحق محل الباطل، كما فعل كثيرًا ولا سيما بالنسبة إليّ فلا يكن ذلك خفيًا عن رأي السلطان وفكره. أما حال هذا العبد فإن أبي كان مسلمًا على مذهب الإمام الشافعي المطلبي، ولما بلغت الرابعة من عمري أرسلني أبي إلى المكتب لتحصيل العلوم ولم أبلغ الرابعة عشرة حتى مهرت في سائر أنواع العلوم خصوصًا، علوم القرآن والحديث ثم جاء دور الدين، فنظرت في كتب الشافعي فرأيت في فضل أولاد النبي - صلى الله عليه وسلم - وآله وإمامتهم روايات كثيرة، فملت إلى جانبهم وأصبحت أفحص وأتجسس وأفتش عن إمام الوقت، ثم بلغ بي الحال بواسطة حكام العصر أن وقعت في أعمال الدين التي يستكبرها ويستعظمها الناس حتى نسيت تلك الفكرة وغفلت عن ذلك الجد والعمل الأولى وأصبح قلبي كله منصرفًا إلى الدنيا وخدمة المخلوق، أمّا عمل الآخرة فقد جعلته ورائي ظهريًا ولكن الله تعالى لم يرض لي بذلك فحرك عليّ خصمائي حتى أخرجوني منه بالقهر والاضطراب فهربت وسحت في البلدان والصحاري وقد لحقتني من ذلك أتعاب وزحمات كثيرة.
كما لم يخف على السلطان
(1) المنتظم (9/ 121) .
(2) التاريخ السياسي والفكري للمذهب السني، ص 136.
(3) المصدر نفسه، ص 136.