فهرس الكتاب

الصفحة 114 من 611

حالي مع نظام الملك ولمّا أخرجني الله من تلك الهلكة علمت أن الإعراض عن الخالق والتوجه إلى المخلوق لا يثمر إلا كما أثمر لي، لذلك قمت بعزم الرجال إلى العمل الديني وطلب الآخرة وانتقلت من الري إلى بغداد وأقمت هناك مدة غير قصيرة حتى اطلعت على الأحوال والأوضاع وتفحصت عن حال الخلفاء وزعماء الدين فرأيت أن هؤلاء العباسيين خارجون عن مراتب المروءة والفتوة الإسلامية حتى أيقنت أن بناء الإسلام والديانة إن كان قائمًا على إمامة هؤلاء وخلافتهم فإن الكفر والزندقة أولى وأحسن من ذلك الدين، فغادرت بغداد إلى مصر وفيها خليفة الحق الإمام المستنصر بالله ففتّشت حاله وقست خلافته بخلافة العباسيين فرأيته أحق فأقررت به ورفضت خلافة العباسيين، لذلك فقد أرسل بنو العباس إلى أمير الجيوش ثلاثة بغال ذهبًا عدا سواها من الأموال والهدايا وأوعزوا إليه أن يرسل إليهم حسن صباح أو يبعث إليهم برأسه، وحيث إن عناية المستنصر كانت تشملني يومذاك فقد نجوت من تلك الهلكة، ثم لمّا كان العباسيون قد حرّكوا أمير الجيوش وأغروه بالأموال ارتأى ترشيحي إلى الروم داعيًا الإفرنج والكفار إلى دين الحق، ولما سمع الإمام بذلك جعلني في كنفه وتحت رعايته ثم بعد ذلك دفع إليّ منشورًا وأمرني بإرشاد الناس إلى طريق الحق بكل ما أوتيت من قوة ومعرفة وأن أطلعهم على إمامة خلفاء مصر وحقيقتهم، فإذا نظر السلطان إلى سعادة {أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59] . فلابد أنه لم يعرض. وجاء في الرسالة أنه قال: بل إن هذا الدين الذي أنا عليه اليوم هو الذي كان في زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، وسيبقى هذا مذهب الحق حتى يوم القيامة، والآن فإن ديني هو دين الإسلام. أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله.

لم ألتفت إلى الدنيا ولا إلى أعمالها بل كل عمل أعمله وكل قول أقوله لم يكن إلا خالصًا مخلصًا لدين الحق، وإني لأعتقد أن أولاد النبي - صلى الله عليه وسلم - أحق بخلافة أبيهم من أولاد العباس وأليق بها من غيرهم، فإن رضيت أنت (ملكشاه) أن تكون هذه المملكة العظيمة التي تحملت في قبضها واستملاكها هذه الزحمات والمشقات الكثيرة وبذلت نفوس هاتيك الجنود المجندة حتى ملكتها من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب ومن محاذاة القطب الشمالي إلى الهند تصبح خارجة من أيدي أولادك ويصبح أولادك مشردين في أنحاء المعمورة أينما وجدوا قتلوا وصلبوا.

أقول: إذا رضيت بهذا فسترضى بالخلافة لهؤلاء، فكيف ببني العباس وهم أناس أذكر لك قليلًا مما شاهدته أنا بنفسي منهم فأقول: إنهم في كل دين وملة لا يرتضيهم كل أحد ولن يرتضيهم وإذا حصل من لم يقف على حالهم فيعتقد بهم ويرى أحقية خلافتهم فإني قد وقفت على أعمالهم وأحوالهم كيف يسوغ لي أن أقبلهم وأعتقد بأحقيتهم؟ فإذا كان السلطان بعد اطلاعه ووقوفه على هذا الحال لن ينهض إلى دفعهم ورفع شرهم عن رءوس المسلمين فإني

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت