وصيحات الرعب والفزع التي كانت تصدر عن المسلمين الهاربين من وجه المهاجمين أيقظت افتخار الدولة على الحقيقة المرة، كما نبهت ريموند إلى انتصار حلفائه في الجهة الشمالية، فانكفأ افتخار الدولة برجاله نحو القلعة أو حصن داود ليعتصم فيها، بينما تقدم ريموند إلى السور فأنزل الجسر عليه من برجه المتنقل بدون مقاومة، ورفع سلالمه إلى الأسوار، ودخل المدينة من دون أدنى إعاقة [1]
من قبل المسلمين الذين كانوا قد تخلوا نهائيًا عن القتال، وفتح ريموند الباب الجنوبي (باب النبي داود عليه السلام) لمقاتليه فدخلوا المدينة منتصرين. أما افتخار الدولة فقد طلب من ريموند الأمان لكي يخرج ورجاله من القلعة ويغادروا المدينة، فأمنه ريموند، وخرج افتخار الدولة ورجاله إلى عسقلان حيث انضموا إلى ما تبقى في فلسطين من جيوش تابعة للدولة الفاطمية. وهكذا سقطت القدس كلها، بيد الغزاة الصليبيين، يوم الجمعة الخامس عشر من تموز عام 1099م الموافق الثالث والعشرين من شعبان عام 492هـ، وذلك بعد حصار دام 39 يومًا من 7 حزيران/ يونيو [2] .
7 -وحشية الحضارة الغربية الصليبية: يذكر ابن الأثير أن الصليبيين قتلوا في المسجد الأقصى ما يزيد على سبعين ألفًا منهم جماعة كثيرة من أئمة المسلمين وعلمائهم وعبّادهم وزهّادهم [3] . أما من كان في القدس من اليهود، في هذه الأثناء -وكان افتخار الدولة قد سمح لهم بالبقاء في المدينة بينما أمر المسيحيين بالخروج منها خشية أن يتعاطفوا مع أبناء دينهم- فقد لجأوا إلى كنيسهم إلا أن المقاتلين الصليبيين حشروهم جميعًا في معبدهم الكبير حيث لجأوا، وأحرقوا المعبد، وهم بداخله، فقضوا جميعهم حتفهم حرقًا بحجة أنهم ساعدوا المسلمين [4] . ويقول ابن القلانسي في ذلك، وهو قد عاش هذه الفترة وزمانها: وقتل خلق كبير وجمع اليهود في الكنيسة وأحرقوها عليهم [5] ، ويذكر رنسيمان أن مذبحة القدس تركت أثرًا عميقًا في جميع العالم, وأن عدد ضحاياها ليس معروفًا بالضبط. وأن القدس خلت بعد هذه المذبحة من سكانها المسلمين واليهود، وأنه «لم يثر التعصب الإسلامي، من جديد، إلا التعصب المسيحي الذي دلّ عليه ما لجأ إليه الصليبيون من سفك الدماء» [6] ، ويصف الأسقف وليم الصوري هذه المذبحة وصفًا تقشعر له الأبدان، إذ يقول: بات من المحال النظر إلى الأعداد الكبيرة للمقتولين دون هلع، فقد انتشرت أشلاء الجثث البشرية في كل مكان,
(1) حروب القدس في التاريخ الإسلامي والعربي،، ص 70.
(2) المصدر السابق، ص 70.
(3) الكامل في التاريخ (8/ 405) .
(4) حروب القدس في التاريخ الإسلامي والعربي، ص 70.
(5) ذيل تاريخ دمشق، ص 222.
(6) حروب القدس في التاريخ الإسلامي والعربي، ص 71.