المتخلفين بأنهم سوف يندمون على تخلفهم عن الاشتراك في هذه الحروب، التي يعود ليتحدث عن أخطارها فيهون من شأن الأعداء وأسلحتهم فما استلّوه من سيوف قاطعة تعود إلى نحورهم وجماجمهم. وفي آخر الآبيات يؤكد فظاعة هذه الحروب بأن الرسول - صلى الله عليه وسلم -، في ضريحه الطاهر في المدينة المنورة يستنجد على الأعداء، بالعرب والمسلمين وليس بآل هاشم فحسب [1] .
أرى أمتي لا يشرعون إلى العدا ... رماحهم، والدين واهي الدعائم
ويجتنبون النار خوفًا من الردى ... ولا يحسبون العار ضربة لازم
أترضى صناديد الأعاريب بالأذى ... ويغضي على ذل كماة الأعاجم [2] ؟
فليتهم إذ لم يذودوا حمية ... عن الدين، ضنوا غيره بالمحارم
وإن زهدوا في الأجر، إذ حمي الوغى ... فهلا أتوه رغبة في الغنائم؟
ويرى الشاعر قعود بعض بني قومه عن الجهاد فيتألم لذلك ألمًا يصور معه واقعهم المتخاذل عن نصرة دينهم الذي يحاول الأعداء إضعافه، جبنًا وخوفًا وغفلة عما يلحق بهم من العار في حالة الهزيمة، ويعجب لشجعان المسلمين، من عرب ومن عجم، كيف يقبلون بهذا كله, ثم يقلب لهم أسباب الدفاع عن الدين وعن البيضة تقليبًا منطقيًا، فيه الألم الذي يعصر قلبه، والتبكيت الذي يهز أحاسيسهم من الأعماق، فيطالبهم بالدفاع عن الدين أولًا فإن لم ينهضوا له فليحموا محارمهم من النساء والبلدان والعقار، وهذا أضعف الإيمان، أن يهتموا بالدنيا وعَرضها من غنائم وأسلاب إن فقدوا الثأر للدين والخروج ونيل الشهادة!! وفي نهاية القصيدة يبلغ به الألم مبلغًا أشد فعلًا وتأثيرًا، فيكشف لهم عن مستقبل أيامهم وما يلاقون فيه من إذلال وصغار في أيام أبنائهم الوارثين للخنوع إن قبلوا باحتلال الأعداء لبلادهم، ثم يهددهم بعار تسليم النساء للأعداء إن هم ظلوا على ما هم عليه من الخنوع والجبن والقعود عن الجهاد, ولم يزل الشاعر يستصرخهم والحرب مستعرة، ليغيروا على المعتدين غارة شعواء تلقي الفرنجة درسًا قاسيًا، كما تعودوا في كل مرة يهاجمون فيها بلاد الإسلام:
لئن أذعنت تلك الخياشيم للبرى ... فلا عطست إلا بأجدع رغم [3]
(1) نصوص من أدب عصر الحروب الصليبية, عمر الساريس، ص 26.
(2) المصدر السابق، ص 26, الصنديد: المقاتل الشديد, والكماة: جمع كمي، وهو لابس السلاح.
(3) الخيشوم: أقصى الأنف، البُري: جمع بُرة وهي حلقة من صفر أو غيره توضع في أحد جانبي البعير للتذليل أو في أنف المرأة للزينة.