الحديث السادس والثلاثون
في ذكر عدم المبالاة في الاكتساب من الدنيا
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «يأتي على الناس زمان لا يبالي [1] المرء ما أخذ، من الحلال أم من الحرام» (رواه البخاري، ومسلم].
(1) وخل الهوينا للضعيف ولا تكن ... نئومًا فإن الحر ليس بنائم
وإنك لا تستطرد الهم بالمنى ... ولا تبلغ العليا بغير المكارم
لا يبالي: أي لا يتوع ولا يتحرى.
أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بما سيحصل مستقبلًا، وهذا من علم الله الذي يدلُّنا على صحة نبوته وعلو شأنه وقدره.
وهذا الزمان الذي أشار إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إما أن يكون زمان مجاعة وقحط يجبر الناس على عدم التورع لكسب الحلال ولقمة الحلال، أو يكون زمان تفاخر، وتكاثر، وقلة إيمان، ودين، يجعل كل واحد ينظر إلى من هو أعلى منه في الدنيا، ثم يصرف جل جهوده في الاستحصال والتمول بأي وسيلة يدركها، وهذا هو الأقرب من معنى الحديث لحصول بعضه حاليًا في المعاملات التجارية من بيع السلعة بلا قبض ولا تحويل، وإبراز أجود الصنف لزيادة الثمن وبقيته أدنى منه.
وكذا معاملة البنوك مع أهل النقود الذين يودعونها عندهم يقرضونهم من البنك نقودًا، ويفرضون عليهم في المائة شيئًا معلومًا في كل سنة ما دام الدين عند المستدين، وذلك مع قبض صكوك العقار عندهم للاحتفاظ.
وكذلك الفقير يعطونه إذا وجد كفيلًا على هذا المنوال ولو لم تكن إلا هذه الكارثة لعمت البلواء، ولكانت كافية لتفسير الحديث المذكور والله أعلم.