عن التضامن العربي، كما لم يعد يتحدث عن إزالة إسرائيل ولا عن معاداة الصهيوينة أو الامبريالية ولا عن العدو المشترك للأمة. فهذه لغة انقرضت تماما بانقراض الأيديولوجيات والقوى التي كانت تتبناها وتروج لها. فما هي اللغة السائدة إذن في أيامنا هذه؟
إنها لغة الأحاديث الرسمية الجديدة التي تشترك فيها قوى سياسية وعلماء دين وجماعات «مقاومة» إسلامية. كل هؤلاء يتحدثون اليوم، نسبيا أو كليا وبشكل أو بآخر، عن تقارب أديان وتطبيع مع إسرائيل وإجراءات حسن ثقة وتحالفات ضد الإرهاب وتسويات ومفاوضات وتنازلات وتباكي على اليهود ومعاناتهم!
وفي ذات الوقت يتحدث هؤلاء بلغة الغرب المعادية للإسلام والمسلمين مستخدمين كافة مصطلحاتهم العدائية فضلا عما ابتدعوه من منظومة اصطلاحية خاصة بهم. أما من احتفظ ببعض ما اكتسبه في السنين الخالية من عداء للمشاريع الغربية والصهيونية في المنطقة أو مشاعر وطنية فهم قلة تمارس قناعاتها، فكريا، إما تأييدا لجهة ما أو على مسؤوليتها الخاصة.
وتأسيسا على ذلك تبدو الأمة، في الوقت الراهن، أقرب ما تكون في حالة تيه عجيب لم يسبق لها أن عانت منه إلا في أوائل القرن العشرين حيث الانهيارات الكبرى وأعظمها في التاريخ العربي والإسلامي على السواء. فمن جهة لم يعد للأمة أية مرجعية توجه اختياراتها أو تحكم حاضرها ومستقبلها. ومن جهة تبدو كل القوى الوطنية، إسلامية كانت أو علمانية، قد استهلكت فلسفاتها وأيديولوجياتها ولم يعد لديها ما تراهن عليه أو تسترشد به.
بل أن حال الأمة في وضعها الراهن أشبه ما يكون بمرحلة انتقالية تنذر بفوضى عارمة تستهدف النظام الدولي من جهة ونظام «سايكس - بيكو» من جهة ثانية. وما طرْح مشروع الشرق الأوسط الكبير إلا دليلا دامغا على ذلك. إذ أن الأمة، بنظر الغرب أو بنظرها، لن تظل، إلى الأبد، حبيسة منظومة استعمارية بدأت تحتضر ولم تعد قابلة للاستمرار.
و ( «بحسب أطروحات التيار الجهادي العالمي فقد انتهى عصر الصراعات الوطنية والقومية واليسارية وحتى الإسلامية ذات الطابع الوطني إلى غير رجعة. إذ ما من قضايا وطنية يجري الحديث عنها، ولا مفاوضات أو مساومات، ولا مصالح مشتركة، ولا قانون دولي أو وضعي، ولا استقلال وطني، ولا مقاومة للاستعمار، ولا مكاسب وامتيازات شخصية مغرية أكثر من «الله أكبر» . إنها باختصار أطروحة عقدية أُفلتت من عقالها. هذه هي الحقيقة التي يتوجب على العالم أن يعيها جيدا. ولعل أسوأ ما فيها أن القوى العظمى لن يعود بمقدورها مجرد التفكير بأية مغامرات عسكرية أو احتلال مباشر لأراض أغلب سكانها مسلمون. لكن إذا ما فعلت؛ فعليها أن تتوقع عواقب وخيمة كون الذين سيواجهونها هذه المرة لن يكونوا على شاكلة الجيوش العربية المدجنة ولا من ذوي «الإسلام هو الحل» أو «الوحدة العربية» أو «القرار الوطني المستقل» أو «الأممية العالمية» ) .