إذا كان الظاهر من «الإخوان المسلمين» البحث عن الدولة المدنية كهدف وبديل عن الحل الإسلامي فإن الظاهر من «حماس» هو البحث عن التسوية والاندراج في المنظومة الدولية مهما كانت النتائج التي لم تدركها بعد. وعليه فإن قصة التدرج في تطبيق الشريعة ليس لها أصل ولا فصل إلا التملص من كل استحقاق شرعي. أما الجماعة الأم وفروعها، فقد استراحت من الأمر، ولم تعد تتحدث، اعتقادا أو سلوكا، لا عن شريعة ولا عن تدرج في تطبيقها. وإنْ كانت «حماس» ، حركة تحرر، غير قادرة على تطبيق الشريعة في غزة؛ فما بال الجماعة الأم وفروعها تتنصل منها جهارا نهارا بدلا من أن تطالب، على الأقل، بتطبيقها؟ هل هي مشغولة بالتحرر من الاستعمار؟ وما ضرَّ بعض الفروع أن تفكر مجرد التفكير بأنها جماعات إسلامية من واجبها أن تطالب بتطبيق الشريعة التي لم تعد قائمة في عرفها لا حقّا ولا باطلا؟ أم أن التحالف مع الأمريكيين أو الأثيوبيين وحتى مع حكم العسكر أهون عليها؟ ربما!! فلعل هذه الفروع في الصومال وأفغانستان والعراق والجزائر وكردستان كانت حركات تحرر تستوجب العذر والدعم والمناصرة!!! ولعل ما فعلته الجماعة والفروع يقع في صميم وصايا «البنا» في معركة المصحف!!!
الحقيقة أنه فضلا عن حال «حركات التحرر» الجديدة من الفروع فإن «حماس» والجماعة الأم باتا أقرب إلى التدرج في تطبيق العلمانية من التدرج في تطبيق الشريعة، وإلا ما كان «الآخر الإسلامي» قد تحوّل بالنسبة إليهما، وغيرهما من الفروع، إلى خصوم وأعداء خلافا لما أوصى به الشيخ حسن البنا (28) حين قال بأن «الإخوان» : «لا يطلبون الحكم لأنفسهم فإن وجدوا من الأمة من يستعد لحمل العبء وأداء هذه الأمانة والحكم بمنهاج إسلامي قرآني فهم جنوده وأنصاره وأعوانه، وإن لم يجدوا فالحكم من منهاجهم وسيعملون لاستخلاصه من أيدي كل حكومة لا تنفذ أوامر الله» .
وفي المحصلة؛ فلا «حماس» التزمت ولا هي شذت عن «الأم» بصيغتها الجديدة. وكذلك هو حال الجماعة، فلا هي التزمت ولا هي شذت عن فروعها. لكنها الظروف التي يتكيف فيها كل فرع بحسب احتياجاته وإمكانياته. وكل ما في الأمر أن لكل فرع مصالحه لكن تحت سقف الجماعة ذات المصلحة العليا التي تعلو مصلحة الفرد.
مسؤول «إخواني» في دولة عربية، أُثر عنه تمسكه بالحكم الشرعي، أفتى بعدم جواز المشاركة في الانتخابات البرلمانية باعتبار البرلمان مؤسسة تشرع بغير ما أنزل الله. لكنه دخل الانتخابات وفاز بمقعد برلماني! ولما سئل عن سبب مشاركته خلافا لما سبق وأفتى به قال بأن مشاركته جاءت بقرار من الجماعة!!!