الجوهري لـ «حماس» منذ دخولها الانتخابات التشريعية وقبولها بالعملية السياسية القاضية بفض النزاع مع إسرائيل سلميا. ودون ذلك فهو خداع ورياء وجدل لا طائل من الدخول فيه. وفي المحصلة فإننا نجد خطابا سياسيا أكثر منه عقديا بما لا يقارن. بل هو خطاب مشابه في نواياه ونهاياته لما تسعى إليه الجماعة الأم، ولولا اختلاف الظروف لتطابقت المفردات والمصطلحات هنا وهناك.
والحقيقة أن الخلاف بين التيارات الجهادية في غزة مع حركة «حماس» ، والذي بدأ يظهر بعد سيطرة «حماس» على غزة لا قبلها، ليس خلافا على إقامة الإمارة الإسلامية ولا على التطبيق الفوري للشريعة. فهاتان مسألتان يستعملهما أنصار التيار الجهادي لاستفزاز «حماس» أمام الأمة كي تعود إلى منطلقاتها وتوجهاتها التأسيسية التي حظيت بالتأييد الشعبي؛ أو لإحراجها تمهيدا لسحب الشرعية منها كجماعة «تزعم» أنها جهادية وذات مرجعية إسلامية. أما لماذا الاستفزاز؟ وبهذه الصيغة؟ فلأن التيارات الجهادية باتت تعتقد أن «حماس» تتنصل من تطبيق الشريعة بحجة التدرج وما إلى ذلك، كما أنها باتت على قناعة بأن «حماس» ، الباحثة عن التسوية بصورة محمومة، أصبحت جزء من المشروع الغربي القادم، والرافعة المركزية للمشروع الصفوي في المنطقة، وبالتالي فهي غير مؤتمنة على القضية برمتها ولا على الجهاد في فلسطين. هذا هو جوهر الخلاف. ولأن «حماس» ، المستهدفة بالتعرية، تبدو كذلك بأعين الكثيرين، حتى من غير التيار الجهادي الذي تتعامل معه كخصم، فهي تسابق الزمن وتخوض حربا على جبهتين:
الأولى: إقناع الغرب، وخاصة الولايات المتحدة، بكل ما أوتيت من قوة، بجدوى اعتمادها كمفاوض رئيس في التسوية السياسية لاسيما وأنها تتجاوز «بنجاح» كافة مراحل التأهيل المطلوبة للعب هذا الدور؛
والثانية: اجتهادها الحثيث في الاحتفاظ بمكانتها وريادتها على مستوى الأمة بوصفها القوة الجهادية والإسلامية «الوحيدة» في الأمة التي تقاتل اليهود في فلسطين.
لكن الجمع بين الوجه والقفا، في صورة واحدة، مسألة مستحيلة في الواقع. ولأن خُطَى «حماس» في التقارب مع الغرب يسير بمعدل متوالية هندسية مقابل سرعة خُطاها في مجاهدة إسرائيل بمعدل متوالية حسابية فقد انكشف خطابها بذات السرعة سواء عبر الحرب الشعواء التي تشنها على التيار الجهادي الناقم على سياساتها المحلية وخياراتها السلمية أو عبر محاربة الدعوات المنادية لها بتطبيق الشريعة أو إقامة إمارة إسلامية بقطع النظر عن إمكانية ذلك من عدمه. وقد كنا في وقت سابق قد ناقشنا لغة «حماس» الجديدة وعلمانيتها وتوجهاتها السياسية والأمنية والعسكرية وعلاقتها بالمشروع الصفوي، أما الآن فسنعرض ونناقش أطروحاتها فيما يتعلق بتطبيق الشريعة.
من النادر أن نجد مسؤولا أو شيخا من «حماس» أو «الإخوان» في فلسطين أو خارجها لم يدل بدلوه أكثر من مرة حول مسائل تطبيق الشريعة أو إقامة إمارة إسلامية أو أسلمة المجتمع في غزة. فالجميع يقرّ بأنه لا وجود