مقدمة
حين يغدو الكذب فضيلة وقيمة عليا
من يخطئ التعبير أو الرأي تراه عند بعض الناس والمجتمعات، المسلمة وغير المسلمة، تجد على وجهه وقد انطبعت حُمْرَة الخجل من هول ما وقع به أو ظن. وغالبا ما يتبع هذا الشعور سيل من عبارات الأسف والاعتذار وطلب الصفح خشية أن يكون ما فاه به قد تسبب بضرر أو سوء فهم هنا أو هناك. أما لو كذب، بلا مبرر، فللأمر شأن آخر يصعُب جبر ضرره بسهولة. وفي الحديث الشريف، قَالَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {لَا يَجْتَمِعُ الْإِيمَانُ وَالْكُفْرُ فِي قَلْبِ امْرِئٍ وَلَا يَجْتَمِعُ الصِّدْقُ وَالْكَذِبُ جَمِيعًا وَلَا تَجْتَمِعُ الْخِيَانَةُ وَالْأَمَانَةُ جَمِيعًا} ، وفي الحديث الصحيح قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ وَمَا يَزَالُ الْعَبْدُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا} .
ما فعلته حركة «حماس» في مسجد ابن تيمية بمدينة رفح جنوب قطاع غزة (يوم الجمعة 14 72009) من قتل للمسلمين ولإمام المسجد ولغيرهم من الجرحى هو مذبحة متعمدة بكل ما في الكلمة من معنى ووقائع تدل عليها. وكان من الممكن أن تمر المذبحة كما سبق ومرّ غيرها مما ارتكبته «حماس» من مذابح شهيرة في حي الصبرة وجباليا ومسجد الرباط وغيرها من أعمال القتل الفردية أو القصاص الفتاك أمام العامة ضد السلفيين وغير السلفيين بما في ذلك تغطيتها على جريمة مخيم نهر البارد، لكنها هذه المرة انفضحت على الملأ. ولو أن «حماس» أخفت الحقيقة درء لفتنة أعظم لكان بها ونِعِمَّ الأمر. لكنها، والمرقعين لها، أتبعوها بفيض من الأكاذيب وشهادات الزور، ومشوا، معا، في الأرض مرحا، وظنوا أنهم خرقوا بها الأرض، وبلغوا الجبال طولا! وبدا أن النية مبيتة لارتكاب الجريمة. ولمن يشك في ذلك فالأدلة كثيرة. أما أن «حماس» استنفذت كل وسائل الإقناع مع الجماعة فما هي إلا شهادة زور، من العيار الثقيل، فندتها الحقائق وبعض البيانات. وكان أولى بـ «حماس» أن تنتظر وتحاصر وتضيق الخناق ليوم أو يومين أو حتى شهر، لكن تسجيلات «القسام» ، ذاتها على أجهزة اللاسلكي، تؤكد أن القوم كانوا على عجلة من أمرهم. ولو افترضنا، مثلا، أن «الجند» اختطفوا أحد قيادات «حماس» الكبرى واحتجزوه معهم في المسجد، أو بعض سياح السفن من الأجانب، أو أحد أو بعض الوفود الأجانب الذين يروق لقادة حماس البشاشة في وجوههم حتى ملء أشداقهم؛ فهل كانت «حماس» لتهاجم المسجد وتقتل كل من فيه حتى الجرحى؟ المؤكد أنها لن تفعل. لكنها في المقابل كانت مستعدة لارتكاب مذبحة بحق