فهرس الكتاب

الصفحة 100 من 400

ـ هؤلاء المُضِلُّون يحملون وزرًا عظيمًا، لأنهم اختلفوا وتنازعوا بعد أن علموا الحقَّ وتبيَّنوه، وجاءتهم الحُجج الواضحة والدلائل القاطعة على صدق الكتب السماوية؛ فخلافهم جاء عن بيِّنة وعلم، لا عن غفلة وجهل.

ـ الهداية بيد الله سبحانه وتعالى يمنحها لمن يسلك طريقها، وهو يعصم المؤمنين الصادقين من الزلل والوقوع في الضلال.

في رحاب الآيات:

الإنسان كائن اجتماعي بطبعه، لذلك خلق الله تعالى حوَّاء من ضلع آدم ليأنس بها ويسكن إليها في الجنَّة، ثمَّ ليكوِّنا على الأرض أسرة، يقومان برعايتها معًا. فالناس جميعًا ينتمون في الأصل إلى عائلة واحدة ذات فطرة واحدة، قال الله تعالى: {ياأيُّها النَّاسُ إنَّا خَلَقْناكُم من ذكرٍ وأنثى وجعلناكُم شُعوبًا وقبائِلَ لِتَعَارَفوا إنَّ أكرَمَكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير} (49 الحجرات آية 13) ومع توالي الأجيال جيلًا بعد جيل، كثرت العائلات وتوالدت وتشعَّبت العلاقات بين أفرادها، ودفعت الظروف الحياتيَّة بهم لأن يضربوا في الأرض بحثًا عن الرزق. وهكذا فقد تعددت مفاهيمهم، واختلفت مصالحهم وانقسموا إلى تكتُّلات وجماعات شتَّى. ولكنَّ طبيعة الأمور تفرض نفسها على العلاقات بينهم، فليست هناك فئة من الناس تستطيع أن تعيش بمعزل عن غيرها. بل إن الجماعات تتلاقى وتتعاون بسبب تداخل مصالحها، على الرغم من الخلافات القائمة في مفاهيمها، والتضادِّ في أهوائها وميولها، ممَّا يولِّد الصراع والشقاق والخلافات بين أفرادها للاستئثار بالمصالح والمكاسب. وأوَّل خلاف وقع على الأرض هو الخلاف بين ولدي آدم، قابيل وهابيل، فقد أوغر الشيطان صدر قابيل بدافع الحسد والتهالك على الدنيا، وأغراه بقتل أخيه هابيل، قال تعالى: {واتلُ عليهم نَبَأ ابْنَي آدمَ بالحقِّ إذ قرَّبا قُرْبَانًا فتُقُبِّل من أحدهما ولم يُتَقَبَّلْ من الآخرِ قال لأقتلنَّك قال إنَّما يَتَقبَّلُ الله من المتَّقين} (5 المائدة آية 27) إلى أن يقول سبحانه: {فَطوَّعَت له نفسُهُ قتلَ أخيه فقتلهُ فأصبح من الخاسرين} (5 المائدة آية 30) . ومنذ ذلك الحين والصراعات قائمة بين بني البشر، تُفرِّق شملهم وتمزِّقهم شرَّ مُمزَّق، لذلك أرسل الله إليهم الأنبياء تباعًا، فكانوا من المجتمع بمنزلة الرأس من الجسد، يبلِّغون الناس وحي السماء، ويسيرون بهم على سكَّة الهدى، فيقيمون بذلك الموازين العادلة الَّتي يفيء إليها المختلفون، ويطلقون الكلمة الفصل الَّتي تحسم الجدال والخصام.

وإذا فَهِمَ بعضهم من ظاهر الآية (موضوع البحث) أن اختلاف الناس كان بسبب تعدُّد الشرائع السماوية، فإن الحقيقة هي خلاف ذلك. لأن الدِّين واحد بما يعنيه، وبما يدعو إليه من العلم والعقل والروح والتزكية، فهو يؤلِّف ولا يُفرِّق، ويوحِّد ولا يمزِّق، ولاسيَّما حين يكون متمكِّنًا في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت