الفصل الثاني:
التواضع
سورة الكهف (18)
قال الله تعالى: {واضرِبْ لهم مَثَلًا رجُلَيْنِ جعلنا لأحدِهِمَا جَنَّتينِ من أعنابٍ وحَفَفناهُما بنخلٍ وجعلنا بينهما زَرْعًا (32) كِلتا الجنَّتين آتَتْ أُكُلَها ولم تظلِمْ منه شيئًا وفجَّرنا خلالَهُما نَهَرًا (33) وكان له ثمرٌ فقال لصاحبهِ وهوَ يُحاوِرُهُ أنا أكثرُ منك مالًا وأعَزُّ نَفَرًا (34) ودخلَ جنَّتهُ وهوَ ظالِمٌ لنفسهِ قال ما أظنُّ أن تَبِيدَ هذه أبدًا (35) وما أظنُّ السَّاعَةَ قائمَةً ولئِنْ رُدِدتُ إلى ربِّي لأجِدَنَّ خيرًا منها مُنْقَلَبًا (36) قال له صاحبُهُ وهوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفرْتَ بالَّذي خَلَقَكَ من تُرابٍ ثمَّ من نُطفةٍ ثمَّ سوَّاكَ رجُلًا (37) لكِنَّا هوَ الله ربِّي ولا أُشركُ بربِّي أحدًا (38) ولولا إذْ دخلتَ جنَّتَكَ قلتَ ما شاءَ الله لا قوَّة إلاَّ بالله إن تَرَنِ أنا أقلَّ منكَ مالًا وولدًا (39) فعسى ربِّي أن يُؤْتِيَنِ خيرًا من جنَّتِكَ ويُرْسِلَ عليها حُسْبَانًا من السَّماءِ فتصبِحَ صَعيدًا زَلَقًا (40) أو يُصبحَ ماؤُهَا غَورًا فلن تستطيعَ له طَلَبًا (41) وأُحيطَ بثمرِهِ فأصبحَ يُقلِّبُ كفَّيهِ على ما أنفقَ فيها وهي خاويةٌ على عُرُوشِهَا ويقولُ ياليتني لم أُشْرِكْ بربِّي أحدًا (42) ولم تكنْ له فئةٌ ينصرونَهُ من دُونِ الله وما كان مُنتصرًا (43) هُنالِكَ الوَلايَةُ لله الحقِّ هو خيرٌ ثوابًا وخيرٌ عُقْبًا (44) }
ومضات:
ـ هذه قصَّة إنسان قَوَّم نفسه على أساس ما يملكه، من أموال وذريَّة وعقارات، ولبس رداء الغرور والأماني، وكأنَّ الله تعالى يُعجِزُهُ أن يحصي ممتلكاته، وأن يقضي عليها بالدَّمار والزوال، عقوبة له على تجبُّره وتعاليه.
ـ يجب أن نقف دائمًا متواضعين على أعتاب الله عزَّ وجل، معترفين له بالقدرة على العطاء والمنع، فإن أعطانا شكرنا، وإن مَنَعَنَا صبرنا، له الولاية والأمر، وعلينا الامتثال والصبر.
في رحاب الآيات:
هذه الرائعة القرآنية تقدِّم لنا عرضًا تصويريًا لما ينتاب الإنسان من غرور أو تكبُّر عند شعوره بالغنى والجاه، تلك الظاهرة الَّتي لا تزال تتكرَّر في حياة الإنسان ما دامت الحياة قائمة. إنها ملحمة الوجود تُختَزَل في أسطر قليلة تصوِّر الحرب الضروس بين الخير والشرِّ، بين من انتمى