إلى جناب الرحمن، وبين من انحاز إلى مكر الشيطان. وهي قصَّة تضعنا على مفترق طريقين، ثمَّ تبيِّن لنا بوضوح نهاية كلِّ طريق منهما، طريق الأمن والأمان الموصل إلى الله، وطريق الشرِّ والفساد الموصل إلى ظلمات بعضها فوق بعض، وما على الإنسان إلا أن يختار.
إنها قصَّة الإنسان صاحب الثروة والمال الوفير، وقد ظنَّ أنه ملَك الدنيا، فلا فقر يؤرِّقه ولا تعاسة تصيبه بعد اليوم، ونسي أن الكثير من الأغنياء المترفين فقدوا ثرواتهم بين عشيَّة وضحاها لأسباب مختلفة، وأن المرء مهما اجتهد في توزيع أمواله ضمن استثمارات مختلفة، تحسُّبًا للطوارئ المهلكة، فإنه لابدَّ أن يأتيه يوم يترك فيه ثروته، إن لم تتركه هي، ويُعْرَض على حضرة الله مجرَّدًا من كلِّ شيء إلا من أعماله.
وتبدأ القصَّة بوصف مظاهر الازدهار والثَّراء، فالدنيا مقبلة، والنعمة موفورة يملكها رجل أفاء الله عليه من خيره لعلَّه يتذكَّر ويشكر. امتلك جنَّتين ارتفعت فيهما الكروم وسمقت، وتدلَّت عناقيدها كحبَّات الياقوت تسرُّ الناظرين، وتُسيل لعاب الجائعين، ومن وراء الكروم ضربت أشجار النخيل طوقًا حولها، وكأنها حارس أمين يحميها من أنظار المتطفلين، وتحت الكروم والنخيل امتدَّت النباتات تغطِّي الأرض بخضرة زُمرديَّة مبهجة للنفس، منبِّهة للحسِّ، جالبة للفرح، وبين الثمار والأشجار شَقَّ الماء مجراه على شكل نهر متموِّج يفيض بالخير على المزروعات، ويوقد فيها شعلة الحياة. كلتا الجنَّتين طرحتا محصولهما في الوقت المحدَّد دون أيِّ نقص، وعهدُنا بالأشجار أنها تعطي عامًا وتقصِّر عامًا، ولكنَّ استدراج الله لهذا المتكبِّر جعله يستوفي محصوله كاملًا عامًا بعد عام. ولمَّا التقى بصاحبه الفقير الَّذي أخذ يذكِّره بنعم الله عليه، استعلى وتكبَّر، وكان بينهما حوار يتَّسم بالغرور والجحود بنعم الله؛ من جهة صاحب المال، حيث قال وقد صَعَّر خدَّه: أنا أفضل منك بكثير، فمالي وفير ورهطي كبير، أمَّا أنت فقد أتلفت مالك في الإنفاق على الناس، فأين هؤلاء الَّذين تصدقت عليهم؟ هل يقدِّمون لك معونة في محنتك؟. ثمَّ أخذ بيد صاحبه باستعلاء وبدأ يجول به في أنحاء جنَّتيه، ونفسه قد ركبت مركب الغرور حتَّى كادت تطير؛ وقال: انظر إلى هذا النعيم هل من الممكن أن يزول؟ وما لي أراك تحدِّثني عن الآخرة، وعن قيام السَّاعة والحساب؟ إنني أستبعد هذا الأمر، وهل معك دليل على صدقك؟ ولنفرض أن هذا حدث، وأنني رجعت إلى ربِّي، هل تظنُّ أنه سيحرمني بعد أن ملكت كلَّ هذا في الدنيا؟ لا بل إنه سيعطيني بدل الجنَّة جنَّات، وما الحياة الدنيا إلا عنوان للآخرة المزعومة. قال العبد المؤمن محاورًا متأنِّيًا علَّه يحرِّك ولو قليلًا من الإيمان في قلب صاحبه: هل نسيت الخالق الَّذي أنعم عليك بهذا النعيم، وهل أنكرت قيام الساعة الَّتي أخبرنا الله بها على لسان أنبيائه؟ هل نسيت كيف خلقك الله ولم تكُ شيئًا؟، لقد خلقك من مكوّنات التراب ثمَّ جعلك نطفة في قرار مكين، ثمَّ حوَّل هذه النطفة المهينة إلى إنسان سويٍّ قادر مقتدر، فإذا به يكفر بنعم خالقه؛ أمَّا أنا فإن لي من إيماني الكفاية، وأقولها