الفصل الثالث:
خلق الجن
سورة الرحمن (55)
قال الله تعالى: {وخَلقَ الجانَّ من مارجٍ من نار (15) } .
تدلُّ هذه الآية الكريمة دلالة قطعيَّة على وجود الجنِّ كمخلوقات حية ذات منشأ يختلف عن منشأ الإنسان، فإذا كان الإنسان قد خُلق من تراب فإن الجانَّ ـ ببيان الله تعالى ــ قد خُلقوا من مارج من نار. والمارج: هو الشعلة الصاعدة ذات اللهب الصافي الَّذي لا دخان فيه، المختلط الألوان. والمصدر الموثوق الوحيد لبيان خلق الجان هو ما جاء به الوحي من خبر الله الصادق، لأن حقيقة خلقهم خارجة عن حدود العلوم البشرية.
وللجانِّ قدرة على الحياة في هذه الأرض بالمشاركة مع الإنس، ولكننا لا ندري عن نمط معيشتهم شيئًا، وهم مخاطَبون ومعنيُّون بهذا القرآن، الَّذي ورد ذكرهم فيه وفي أكثر من موضع، موضِّحًا جوانبَ من حقيقتهم وبعضًا من صفاتهم، وأهمُّها:
ـ قابليَّتهم للعلم والمعرفة، وحريَّتهم في الاختيار؛ فهم مكلَّفون بالإيمان والعبادة، مَنهِيُّون عن الكفر والعصيان، كالإنس، قال تعالى: {يَا مَعْشَرَ الجِنِّ وَالإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسْلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُوْنَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا ... } (6 الأنعام آية 130) ، وقال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} (51 الذاريات آية 56) ؛ فمن آمن من الجنِّ وأسلم فلا خوف عليه وقد تحرَّى رشدًا، قال تعالى: {وَأنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الهُدَى آمَنَّا بِه فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخَافُ بَخْسًا وَلا رَهَقًا * وَأَنَّا مِنَّا المُسْلِمُونَ وَمِنَّا القَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرُّوا رَشَدًا} (72 الجن آية 13 ـ 14) ، ومن كفر منهم وعدل عن طريق الحقِّ، كان مآله إلى جهنَّم، قال تعالى: {وَأَمَّا القَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا} (72 الجن آية 15) .
ـ التَّناسل والتَّوالد، بدليل قوله تعالى: { .. أفتتَّخِذونه وذرِّيَّته أولياءَ من دوني وهم لكم عدوٌّ بِئْس للظَّالمين بَدَلًا} (18 الكهف آية 50) والذريَّة تقتضي التناسل، كما أخبر القرآن الكريم أنَّ فيهم رجالًا، ومتى كان فيهم الرجال ففيهم أيضًا النساء، وهذا يقتضي التناسل أيضًا، قال تعالى: {وأنَّه كان رِجالٌ منَ الإنس يعوذون برِجالٍ منَ الجنِّ فزادوهم رَهَقًا} (72 الجن آية 6) .