فهرس الكتاب

الصفحة 80 من 400

الباب الثالث

الهداية في منظور الإسلام

الفصل الأوَّل:

نور الهداية

إن الله تعالى هو الهادي الَّذي يهدي من اتَّبع تعاليمه سُبل النُّور والسلام، ويتعهَّد المؤمنين بولايته وحبِّه، ويخرجهم من ظلمات الجهل والتخلُّف إلى ضياء العلم والتقدُّم.

فالجهل ظلام يغشى العقل، ويلقي به فريسة سهلة بين براثن الأفكار والمفاهيم الفاسدة المغلَّفة بالمظاهر البرَّاقة، ممَّا يجعل المرء يغرق أكثر فأكثر في مستنقع الأوهام والخرافات الضالَّة والمُضِلَّة، ويركن إلى ما ورثه عن آبائه وأجداده من الجهالات البالية دون أن يختبر حقيقتها ويتأكَّد من مدى صحَّتها ومصداقيَّتها. وقد شُبِّهت هذه الجهالات في القرآن الكريم بالظُّلمات، قال تعالى: {الله ولِيُّ الَّذين آمَنُوا يُخرِجُهُم من الظُّلُمَاتِ إلى النُّورِ والَّذين كَفَرُوا أولِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخرِجُونَهُم منَ النُّورِ إلى الظُّلُمَاتِ أولَئِك أصحَابُ النَّارِ هم فيها خَالِدُونَ} (2 البقرة آية 257) فالنُّور الحقيقي هو ما يعتمل في قلب الإنسان وعقله وضميره، ويتجلَّى بالقيم والأخلاق الَّتي تُرضي الله عزَّ وجل، فإن غاب عنه هذا النور الجليل فهو في حكم الميت. والقلب العاجز عن تلقِّي النور الإلهي والتَّفاعل معه هو قلب فاقد للحياة الربَّانية؛ لأن ذروة سعيه هي المتع الحسيَّة، وأقصى طموحه هو النِّعَم المادية، وبذلك يقصِّر عن التطلُّع إلى نعيم الحضرة الإلهيَّة. وكذلك العقل الجامد، هو ميِّت لأن أُفُقَهُ محدود مقيَّد بالمادِّيات الَّتي تدركها حواسُّه في هذه الأرض، ولا مُرتقى له إلى عالم الغيب ورحاب الإيمان. أمَّا الضمير فيصبح ميِّتًا عندما يكون ولاء صاحبه موزَّعًا بين متعلَّقات شتَّى شغلته عن الإله الحقيقي، فيبقى منجذبًا إليها لإشباع نزواته الطائشة وغرائزه الرَّخيصة. ولاشكَّ في أن أيَّ حضارة يقوم ببنائها إنسان بهذه المواصفات، ويتحرك ضمن هذا الإطار، لهي حضارة عقيمة، ميتة، لا حُبَّ فيها ولا عطاء، إنها حضارة زخارف وجدران لا حضارة مضمون ووجدان، إنها تبهر الناظر، ولكنَّها عاجزة عن منح النور للعقل، والحياة للقلب، والسعادة للمجتمع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت