فهرس الكتاب

الصفحة 129 من 400

سورة سبأ (34)

قال الله تعالى: {ولقد آتينا داوودَ مِنَّا فضلًا ياجبالُ أَوِّبِي معهُ والطَّيرَ وَأَلَنَّا له الحديدَ (10) أنِ اعملْ سابغاتٍ وقَدِّرْ في السَّردِ واعملوا صالحًا إنِّي بما تعملون بصير (11) }

ومضات:

ـ إن لله تعالى أعطيات خاصَّة يمنحها لعباده المصطَفَيْن، وداود عليه السَّلام كان واحدًا من هؤلاء العباد؛ فقد وهبه الله تعالى من عذوبة الصوت، ودموع العاشق المتفجِّرة، وأنين المحبِّ الملوَّع، ما أثَّر في الجبال والطير فجعلها ترجِّع وتردِّد تسبيحه لله وتمجيده.

ـ لقد أُعْطِيَ داود عليه السَّلام ـ إلى جانب ما سبق ـ علمًا متقدِّمًا في الصناعة الحربية المتطوِّرة.

في رحاب الآيات:

تُجْمِع الروايات على أن داود عليه السَّلام قد أوتي صوتًا جميلًا عذبًا، كان يرتِّل به مزاميره؛ وهي تسابيح دينية، ورد منها في كتاب العهد القديم ما الله أعلم بنسبته. وفي الصحيح «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع صوت أبي موسى الأشعري يقرأ في الليل فوقف واستمع لقراءته ثمَّ قال: لقد أوتي هذا مزمارًا من مزامير داود» .

والآية تصوِّر فضل الله تعالى على داود عليه السَّلام، إذ أنه بلغ من الشفافية والتجرُّد في تسابيحه درجة انزاحت معها الحجب بينه وبين كثير من الكائنات، فاتَّصل دعاؤه وتضرُّعه مع دعائها وتضرُّعها، ورجَّعت معه الجبال والطير، إذ لم يعد بين وجوده ووجودها فاصل ولا حاجز، فاتصلت جميعها بالله صلة واحدة، وعادت عن طريق ذكره إلى حقيقتها اللدُنِّية فإذا بها تتجاوب في تسبيحها للخالق، وتتلاقى في نغمة واحدة، وهي درجة من الإشراق والصفاء والتجرُّد لا يبلغها أحد إلا بفضل الله تعالى. وحين انطلق صوت داود عليه السَّلام يرتِّل مزاميره ويمجِّد خالقه، تجاوب الكون بتلك الترانيم السارية في كيانه الواحد، المتجه إلى بارئه الواحد ... وإنها للحظات عجيبة لا يعرف قدرها إلا من عايشها، وذاق حلاوتها ولو لحظة في حياته.

وممَّا أفاض الله تعالى على نبيِّه داود من النعم؛ أَنْ أَلانَ له الحديد وعرَّفه كيفيَّة استعماله. وقد جاءت هذه الآيات الكريمة لتشير إلى مادة الصناعة الأوليَّة وهي الحديد لدراستها والاستفادة من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت