فهرس الكتاب

الصفحة 101 من 400

الصدور، نظيفًا في السطور، لم يطرأ عليه تحريف أو تشويه. ولكنَّ النفوس حين تنحرف وتنزلق في مهاوي الضلال والغواية، فإنها لا تتورَّع أبدًا عن استخدام كلِّ الوسائل الممكنة لخدمة أهوائها، بما في ذلك إساءة فهم الدِّين، ولو أنها لم تجد في الدِّين مَرْكَبًا لركبت غيره من الوسائل والسُّبُل.

والدليل على أنَّ الاختلاف لم يكن يومًا بسبب تعدُّد الرسالات السماوية، هو أنَّ التاريخ قد سجَّل لنا خلافات دامية قد وقعت بين أتباع الديانة الواحدة، فتمزَّقوا شيعًا وأحزابًا، كلُّ فريق يعادي الفِرَقَ الأخرى، ويتحيَّن الفرص للإيقاع بها، وهو يعتقد ـ بدافع من التعصُّب والجهل ـ بأنه وحده على بيِّنة وصواب؛ فلا يدرك الأبعاد الحقيقية لآراء العلماء المخلصين واجتهاداتهم، ويذهب إلى تفضيل بعضهم على بعض، مدفوعًا بأحد أمرين: إمَّا بِنِيَّةٍ حسنة وتحت تأثير اختلاف تفسيرهم وتأويلهم لمفاهيم الدِّين، وإمَّا بنيَّة سيئة، انقيادًا لأهوائه وميوله.

أمَّا المؤمنون الحقيقيُّون فهم الَّذين يهتدون لما اختلف الناس فيه من الحقِّ، ويصلون بتوفيق الله إلى ما يرضيه، فالله تعالى لا يترك عباده المؤمنين تائهين في شعاب الأرض يتخبَّطون في متاهات الجهل، بل يهديهم إلى صراطه المستقيم؛ عن طريق تعاليمه وتوجيهاته، الَّتي لم يحصرها في فئة دون أخرى، ولم يجعلها حكرًا لأتباع شريعة معيَّنة دون غيرها، ولم تكن وقفًا على منفعة قوم دون سواهم، بل هي دواء وشفاء للبشريَّة كلِّها، لأن واضعها ربُّ الناس أجمعين. فهم في أمنه لا يضِلُّون ولا يزلُّون، وكيف لا ينعمون بأمنه وهدايته وعندهم نور الله يستضيئون به ويجعلونه أمامهم، فإذا ما حاول الشيطان أن يُضِلَّهم عن الطريق المستقيم؛ هداهم ذلك النور الإلهي في مسيرتهم فتمكَّنوا من النجاة.

البحث الثاني ـ سلسلة الأنبياء:

شجرة النُبُوَّة واحدة، ترجع في أصل نشأتها إلى بداية بزوغ فجر البشرية، ثمَّ أخذت تتفرَّع أغصانها جيلًا بعد جيل، وتؤتي أُكُلها كلَّ عصر وحين، وقد تأصَّلت جذورها في عهد نوح وإبراهيم عليهما السَّلام، ثمَّ انبثق من ذريَّتهما الأنبياء الَّذين نعرفهم منذ ذلك التاريخ. أمَّا بقية أبنائهما الَّذين عاصروا عهد النُبُوَّات فلم يكونوا على شاكلة إخوتهم الأنبياء، فمنهم من هو مهتد إلى الحقِّ بصير، وكثيرٌ منهم خارجون عن طاعة الله، لم ينفعهم نسبهم للأنبياء، قال تعالى: {ولقد أرسلنا نوحًا وإبراهيمَ وجعلنا في ذرِّيَّتِهِما النُّبوَّةَ والكتابَ فمنهم مُهْتدٍ وكثيرٌ منهم فاسقون} (57 الحديد آية 26) وهكذا توالى الأنبياء، كلُّ نبي يُتمِّم رسالة النبي الَّذي سبقه، ويزيل رواسب الجمود والتحجُّر من تلك الرسالة الَّتي نسبها الجاهلون والجاحدون لتعاليمها، فيجدِّد للأمة روحانيَّتها، ويرقى بعلومها، فيضيف بذلك إلى بناء التعاليم السماوية لَبِنَةً جديدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت