فهرس الكتاب

الصفحة 102 من 400

وهكذا، بقي باب الهداية مفتوحًا على مرِّ الأيام والعصور، يرعاه الرسل والأنبياء والصالحون. فرسل الله هم القدوة ومصدر الهدى والنور الَّذي يستضيء به جميع الناس، وقد امتاز بعضهم على بعض، بخصائص تَفَضَّلَ الله بها عليهم، وعلى شرائعهم، وأممهم، قال تعالى: {تِلك الرُّسُلُ فَضَّلنا بَعضَهُم على بَعضٍ منهم مَن كَلَّمَ الله ورَفَعَ بَعضَهُم درجاتٍ وآتَينَا عيسى ابنَ مريمَ البَيِّنَاتِ وأيَّدنَاهُ بروحِ القُدُسِ ولو شاءَ الله ما اقتَتَلَ الَّذين مِن بَعدِهِمِ من بَعدِ ما جاءتهُمُ البيِّنَاتُ ولكنِ اختَلَفُوا فمنهم من آمَنَ ومنهم مَن كَفَرَ ولو شاءَ الله ما اقتَتَلُوا ولكنَّ الله يَفعَلُ ما يُرِيدُ} (2 البقرة آية 253) .

فالمفاضلة بين الرسل لا تقوم على الأفضليَّة وإنما تتعلَّق بظرفي الزمان والمكان، وبالمحيط المقدَّر للرسول أن يتحرَّك فيه، والَّذي يشمل دعوته ونشاطه؛ كأن يكون رسول قبيلة، أو رسول أمَّة، أو عصر، أو رسول الأمم كافَّة ولجميع الأجيال، وكذلك يتعلَّق التفضيل بالمزايا والمعجزات الَّتي يهبها الله لشخص هذا النبي أو لأُمَّته، كما يتعلَّق بطبيعة الرسالة ذاتها ومدى شموليَّتها لجوانب الحياة الإنسانية والكونية.

فمن الرسل من كلَّمه الله تعالى كموسى عليه السَّلام، ومنهم من اختصَّه تعالى بمعجزات عظيمة، كدلائل على صدق نبوَّته حين أنكر الناس ذلك، كعيسى عليه السَّلام، وآخرهم محمَّد عليه الصلاة والسَّلام حيث أيَّده الله بجبريل الأمين، أسوة بغيره من الأنبياء والرسل، فكان ينقل له الأمر الإلهي ويثبِّته على المضيِّ في الطريق الشَّاق، وقد ورد تأكيد ذلك في مواضع كثيرة في القرآن الكريم.

وبذلك تتابع الرسل يحملون الرسالات السماوية لتأخذ بِيَدِ البشرية، وتمضي بها صُعُدًا في طريق العلم والعمل البنَّاء. وقد أراد الله سبحانه أن تكون الرسالة الأخيرة، وما ينبثق عنها من منهج شامل للحياة، هي خير ما يكفل النُمُوَّ والتجدُّد والانطلاق للحياة على الأرض، لاسيَّما وأن العقل البشري وصل لمرحلة من النُّضج الفكري تؤهِّلُه لاستيعاب قيم الحياة الحضارية وتطويرها؛ فكان الإسلام دين الله الخالد الأبدي وللناس كافَّة، الَّذي يحمل في طيَّاته جوهر جميع الشرائع السماوية الَّتي سبقته صافية نقية بعيدة عن التشويه والتحريف.

ولو شاء الله لجعل عباده طائعين له قسرًا، ومستجيبين للرسل الَّذين جاؤوا بالحقِّ من عنده قهرًا، إلا أن في هذا إلغاءً لإرادتهم، فترك لهم الخيار فاختلفوا تبعًا لاختيارهم، فمنهم من آمن إيمانًا صحيحًا، وأخذ الدِّين على وجهه السليم، وفهمه حقَّ فهمه، ومنهم من حكَّم هواه في تأويله، مفسِّرًا تعاليمه حسب مصالحه، فنشأ التَّخاصم وقام النزاع بينه وبين أنداده من المتديِّنين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت