الفصل الخامس:
الحج
الحجُّ هو الركن الخامس من أركان الإسلام، وقد فرضه الله عام الوفود في السنة التاسعة من الهجرة النبوية. وقد كان مفروضًا في زمن إبراهيم عليه السَّلام، وجاء الأمر به في شريعتنا تأكيدًا لتلك الفريضة الَّتي أمر الله خليله بالإعلام عنها، والدعوة إليها حين قال: {وأَذِّنْ في النَّاسِ بالحجِّ يَأْتُوكَ رجالًا وعلى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِيْنَ من كُلِّ فَجٍّ عميق * ليَشْهَدُوا مَنَافِعَ لهم ويَذْكُروا اسم الله في أيامٍ معلومات .. } (22 الحج آية 27 ـ 28) .
والحجُّ لغة: القصد إلى مُعظَّم، أمَّا معناه شرعًا: فهو زيارة مكان مخصوص في زمن مخصوص، بفعل مخصوص. وتعتريه الأحكام الخمسة فيكون: فرضًا، وواجبًا، وحرامًا، ومكروهًا، ومندوبًا إليه مستحبًا.
فهو فرض على البالغ العاقل المستطيع مرَّة واحدة في العمر، وذلك ثابت بالكتاب والسُّنَّة وإجماع الأمَّة. أمَّا الكتاب: فقول الله تعالى: { .. ولله على النَّاسِ حِجُّ البيتِ من استطاعَ إليهِ سبيلًا .. } (3 آل عمران آية 97) . وأمَّا في السُّنَّة: فقول النبي صلى الله عليه وسلم: «بُني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمَّدًا رسول الله، وإقامِ الصَّلاة وإيتاءِ الزَّكاة وحجِّ البيت وصوم رمضان» (رواه البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما) . وأمَّا الإجماع: فكما أن الأمَّة الإسلامية أجمعت على فرضيَّة الصَّلاة والزَّكاة والصِّيام، فكذلك أجمعت على فرضيَّة الحجِّ في العمر مرَّة على من يستطيعه.
والدليل على فرضيَّته مرَّة في العمر حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: خَطَبَنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «ياأيُّها الناس فُرض الله عليكم الحجَّ فحجُّوا، فقال رجل: أكلَّ عام يارسول الله؟ فسكت، حتَّى قالها ثلاثًا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لو قلتُ نعم، لوجبت ولما استطعتم» (رواه أحمد ومسلم والنَّسَائي) وفي رواية ابن عباس رضي الله عنه: «من زاد فهو تطوُّع» (رواه أحمد والنسائي) .
وقد يجب الحجُّ أكثر من مرَّة لعارضٍ كَنَذْرِ أحدهم، بأن يقول: لله عليَّ حجَّة، لأن النذر من أسباب الوجوب في العبادات والقُرُبات المقصودة، وكذلك يجب في حالة القضاء عند إفساد التطوُّع. ويحرم الحجُّ إن كان بمال حرام، ويُكره إن كان دون إِذْنِ مَنْ يجب استئذانه؛ كأحد أبويه المحتاج إلى