فهرس الكتاب

الصفحة 281 من 400

خدمته، أو الدائن لمدين لا مال له يقضي به، أو الكفيل لصالح الدائن، ويكون حكمه مستحبًّا لمن حجَّ حجَّة ثانية فما فوقها غير الفريضة.

وأمَّا فضل الحجِّ فقد بيَّنَهُ النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه الجماعة إلا أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: «الحجُّ المبرور ليس له جزاء إلا الجنَّة» (المبرور: المقبول) . وللحجِّ آداب وشعائر، ورد بعضها في قوله تعالى: {الحَجُّ أَشهُرٌ معلُومَاتٌ فمن فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ فلا رَفَثَ ولا فُسُوقَ ولا جِدَالَ في الحَجِّ وما تَفعَلُوا من خَيرٍ يَعلَمْهُ الله وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيرَ الزَّادِ التَّقوَى واتَّقُونِ ياأُولِي الألباب} (2 البقرة آية 197) .

وهكذا فإن الحجَّ ركن من الأركان الَّتي بُني عليها الإسلام، وأحد الدعائم الأساسيَّة الَّتي يقوم عليها بناء المجتمع الإسلامي العالمي. وهو عبادة موقوتة بزمان محدَّد من كلِّ عام، ونوع من السلوك البشري الراقي حيث يلتزم جميع المسلمين، حكَّامًا ورعيَّة، بلباس موحَّد، دون أي تفريق أو تمييز، وهو لون من ألوان التدريب العملي على مجاهدة النفس، من أجل الوصول إلى إقامة التوازن، بين حياة روحيَّة سامية وبين متطلَّبات الجسد المادية، لضمان النجاح في القيام بأعباء الرسالة الإلهيَّة، الَّتي كُلِّف الإنسان بحملها. والحجُّ مدرسة أيَّامها معدودات يعيش المؤمن في رحابها عفيفًا مستقيمًا، بعيدًا عن الملذَّات الدنيوية المباحة، لأنه قد نذر نفسه للإقبال على الله وقَصْدِ رضاه، كي ينهل من العطاءات الروحيَّة الَّتي تتدفَّق في الحجِّ، فلا يقرب زوجه ولا يستمتع بها، ويخلع عن نفسه أهواءها ونوازعها، كما يخلع عن جسده ملابسه وزينته، ليرتدي ملابس الإحرام البيضاء الَّتي ترمز إلى الطهارة والنقاء، وتزيل جميع الفوارق الاجتماعيَّة بين الناس، وتوحِّد قلوبهم وتصهرها في بوتقة واحدة، لتصبح قادرة على ترديد التلبية الرائعة الخالدة (لبيك اللهمَّ لبيك) ، بوتيرة واحدة، وكأنها تنطلق من حنجرة واحدة، فيشعر الحاجُّ بنوع من الفناء لكيانه الشخصي، ليتحوَّل إلى ذرَّة متناهية الصغر في الكتلة الإنسانيَّة الواحدة، حيث لا أنانية ولا خصام، بل إيثار ووئام، وبُعدٌ عن الجدال والمهاترات، من أجل المحافظة على وُدِّ الآخرين وتأليف قلوبهم، وجمعها حول كلمة الله تعالى، ممَّا يقوِّي استعداد نفسه لعمل الخير والحرص عليه. ورد في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من حجَّ هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أُمُّه» .

فالمؤمن الَّذي يكتمل حسُّه، ويتعمَّق يقينه بالله، يندفع إلى العمل الصالح رغبة في أن يراه الله حيث يحب. ولهذا يُطَمْئن الله عباده بأنه مطَّلعٌ ومشاهد، ورقيبٌ ومحاسب: {وما تفعلوا من خيرٍ يَعلَمْه الله} وهذا يشمل كلَّ عملٍ صالح في أيِّ وقت وفي أيِّ مكان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت