ولعل من أروع آثار الحجِّ الاجتماعية أنه مؤتمر عام لاجتماع أكبر عدد ممكن من أفراد الأمَّة الإسلامية، ليشهدوا المنافع الجمَّة الَّتي تعود عليهم بالخير والبركة، وتستوي في ذلك المنافع الروحية والاقتصادية والسياسية. ويمكننا أن نلمح في كلمة (منافع) الواردة في صيغة النكرة في قوله تعالى: {ليشهدوا منافع لهم} إشارة إلى أن المنافع المكتسبة من الحجِّ، متعدِّدة ومختلفة باختلاف الأزمنة، واختلاف النواحي والمجالات.
فالحجُّ مناسبة للتعارف بين أفراد الشعوب الإسلامية، ولتوحيد غاياتهم، ليصلوا بذلك إلى حياة القوَّة والعزَّة والعلم والعمل، وذلك نتيجة الفائدة الَّتي يحصلون عليها من تبادل الآراء المختلفة والثقافات المتنوِّعة. كما أن الحجَّ موسم لعقد المعاهدات والاتفاقيات، ودراسة الوسائل الممكنة لتيسير التعاون الاجتماعي والاقتصادي، وتقوية اللُّحمة بين أقطار المسلمين على اختلاف جنسياتهم وألوانهم.
والله تعالى يحدِّد في هذه الآية الأخلاق الأساسية الَّتي تقوم عليها رحلة الحجِّ التعبُّدية، ثمَّ يلفت الانتباه إلى رحلة الحياة فيأمر المؤمنين بالتزوُّد، استعدادًا لها بزادٍ يخصُّ الجسد والروح معًا، فأمَّا زاد الجسد فهو الحلال من الطعام والشراب واللباس، وأمَّا زاد الروح ـ وهو الأهم ـ فهو تقوى الله عزَّ وجل والإكثار من ذكره، لأن الذكر غذاء القلب والروح، ونفعُه لا ينقطع في الدنيا ولا في الآخرة. وإذا كانت ثمار هذا الزَّاد تتجلَّى بوضوح في مواسم العبادة كالحجِّ، فحريٌ بالإنسان أن يثابر عليه طيلة حياته، ويبقي قلبه في حالة اتصال دائم مع حضرة الله، فلا يغفل عنه، ولا ينصرف عن مراقبته، بل يتوجَّه إليه بالخوف والحبِّ معًا ليحظى برضاه وينال نعيمه، وبذلك تستمر نتائج مدرسة الحجِّ بالتفاعل في نفس الحاجِّ في شؤون حياته كافَّة، حتَّى يلقى وجه ربِّه الأعلى، وحينها سوف يرضى بإذن الله.
من ذلك كلِّه نستشرف آفاقًا جليلة نُلخِّصها بما يلي:
1 ـ الإسلام سلسلة متَّصلة من التعاليم والأحكام في غاية الدقَّة والانضباط، لا تنفكُّ عن النظام الَّذي يسيِّر هذا الكون، لذلك كانت فروضه انعكاسًا حقيقيًا لهذا النظام. والحجُّ حلقة من هذه السلسلة، موقوت بزمن معلوم لا يصحُّ إلا فيه. وفي ذلك كلِّه تعليم للناس أن موازين الأمور سواء منها الدِّينية أو الدنيوية، لا تستقيم إلا بالنظام والانضباط، ومحورها جميعًا هو حسن استثمار الوقت والزمن.
2 ـ الحجُّ تجمُّع بشري مؤمن مليء بالمعاني والقيم، يحكمه سلوك وآداب معيَّنة تجعل الحاجَّ يصل بها إلى الغاية المرجوَّة منه. ومن هذه الآداب: العزوف عن المعاشرة الزوجية وتجنُّب دواعيها،