فلا يكفي أن يدَّعي قوم أنهم أتباع أحد الأنبياء، ليكونوا قدوة صالحة للناس، بأفكارهم ومعتقداتهم، نظرًا لأن بعض الاختلاف في التطبيق العملي للدِّين، يباعدُ بينهم وبين أقرانهم مباعدةً عظيمة، تصل إلى حدِّ تكفير بعضهم بعضا، أو تشويه الدِّين الَّذي ينتمون إليه، وهذه هي الحالة الَّتي كانت سائدة في شبه جزيرة العرب، إذ كان الحنفاء في مكَّة يرون أنهم على مِلَّة إبراهيم، واليهود في المدينة يرون أنهم على دين موسى عليه السَّلام، والنصارى يرون أنهم على دين عيسى عليه السَّلام، ولكنَّ كلَّ فريق من هؤلاء كان قد ابتعد ابتعادًا كبيرًا عن الآخر، ولو اقترب منه لوجد أن أصل الرسالات السماوية واحد، وأن جميع الرسل إخوة، ولكان هذا أدعى للتَّقارب والائتلاف بينهم بدلًا من التَّباغض والتَّناحر. فليست العبرة بانتساب الأفراد إلى أنبيائهم، وإنما العبرة في حقيقة ما يعتقدون، وحقيقة ما يعملون. ولو شاء الله لألَّف بينهم، ولكنَّه أراد أن يدفع الكفر بالإيمان، ليقرَّ في الأرض حقيقة العقيدة الصحيحة، الَّتي جاء بها الرسل جميعًا، وليجزي كُلًا بعمله. لذلك قدَّر الله أن يكون الناس مختلفين في ميولهم، مُوكَلين إلى أنفسهم في اختيار طريقهم، كما قدَّر الصراع بين الهدى والضلال، وأن يجاهد أصحاب الإيمان لإقرار الحقيقة الواضحة المستقيمة، وهي شريعة الله الَّتي انحرف عنها المنحرفون، وكان أمره مفعولًا.
وإذا أراد إنسان هذا العصر أن يتمتَّع ويسعد بما حقَّقه من العلم والتطوُّر، وأن يطمَئِنَّ إلى سلام متين عميق الجذور، فلابُدَّ له من عودة إلى الإيمان السليم بالله تعالى، المكتسب من الشرائع السماوية بعد أن يتوصَّل إلى معرفة جوهرها النقي، الخالي من الشوائب الَّتي تراكمت فوقه نتيجة لما أدخله عليه الفكر الإنساني القاصر، والمصالح الآنيَّة المحدودة عبر التاريخ، ممَّا شوَّه لتلك الشرائع جمالها وأودى بثمارها أدراج الرياح، فحُرمت الأسرة الإنسانية العالمية من الانتفاع بها. فإذا ما أعيدت إلى ما كانت عليه من نقاء وصفاء حصل الانتفاع، وتمكَّنت البشرية من جَنْيِ ثمار الإيمان، الَّتي لا تنحصر في منحها السَّلام فحسب، بل تتعدَّاه إلى الإخاء والحب والتَّراحم العالمي، وهذا أسمى ما يمكن أن يصبو إليه إنسان اليوم. وما نبذله من جهد متواضع في هذا المجال، إنما هو لإعطاء القارئ الكريم فكرة موجزة عن الجوانب الَّتي أشار إليها القرآن الكريم في هذا الموضوع، حيث نورد مقتطفات عن سِيَرِ هؤلاء الرسل والأنبياء ودعواتهم، علَّنا نبيِّن نقاط الالتقاء الكثيرة بينهم جميعًا، بما لا يدع مجالًا للشكِّ في أنهم قاموا تباعًا بإشادة بناء الإيمان الواحد، والَّذي ينبغي على البشرية أن تتعهَّده بالحفظ والرعاية.
وممَّا يُستحسن الآن قبل التعرُّف بحلقات سلسلة الأنبياء، التفريق بين النبي والرسول والنبوَّة والرسالة.