فهرس الكتاب

الصفحة 81 من 400

وبهذا تظهر ميزة الحضارة الإيمانية الشاملة، لانطلاقها من معرفة الإنسان لخالقه، وتطبيقه لتعاليمه بجدٍّ وثبات. وبهذه الحضارة يلتقي العقل والعلم والإيمان لتحقيق خير الإنسانيَّة ورفاهيَّتها وتقدُّمها في كلِّ أصقاع الأرض وأقطابها. عندها يستظلُّ الجميع برحمة الله ونوره، ذلك النور الَّذي ذكرته الآية الكريمة والمتمثِّل في هدي الله عزَّ وجل، وشرعه الَّذي جاءت به الرسل ليجعل من الإنسان أخًا للإنسان يحبُّ له ما يحبُّ لنفسه وليكون ذلك الشرع عونًا له على كلِّ ما يكفل له الخير والسعادة.

أمَّا الطَّاغوت الَّذي ورد ذكره في الآية الكريمة فهو الطُّغيان وهو كلُّ ما يُطغي الإنسان ويُضلُّه عن طريق الحقِّ والهدى؛ فيجعله في ظلماتٍ بعضها فوق بعض، كظلمة الهوى والشَّهوة، والرِّياء والنِّفاق وغير ذلك ممَّا تكتسبه النفس الأمَّارة بالسُّوء ببعدها عن طريق الله. وهذه الظلمات تؤدِّي بأصحابها إلى المهالك وتفقدهم السلطة على أنفسهم، وتدفعهم إلى تولية زمامها لتلك المعبودات الباطلة الَّتي كانت مقبرةً لعقولهم، ليكونوا من أصحاب النار خالدين فيها أبدًا.

والإنسان مخلوق ضعيف محدود المدارك والإمكانات، لذلك فهو عاجز عن أن يعرف الله تعالى بمفرده وبمعزل عن توجيهه ـ سبحانه ـ وإرشاده له، فهو يوقن بالفطرة أن للكون إلهًا وخالقًا ولكنَّه لا يعرف صفات هذا الإله. ولذلك فقد توجَّه تارة إلى عبادة النجوم، وتارة أخرى إلى عبادة القمر، ثمَّ الشمس، ثمَّ اتَّبَع كلَّ ما هو غامض يوحي بالقوَّة، ولا يستطيع أن يحلَّ رموزه وأسراره فجعله إلهًا؛ فعبد النار والطبيعة وأشياء أخرى. ولكنَّه في فترة من الزَّمن تقزَّم بفعله وانحدر بفكره فاتَّخذ من الحجارة أصنامًا وراح يعبدها، جاهلًا أو متجاهلًا كلَّ الدلائل والإشارات الَّتي تهتزُّ بعنف من حوله وبداخله، وتدلُّ بقوَّة على وجود الخالق البارئ المصوِّر. فكيف حدثت تلك الحقبة التاريخية، الَّتي تكرر فيها سقوط الإنسان؛ من عالم الحضرة الإلهيَّة القدسي إلى بؤرة الضلال ومستنقع الجهل؟ وهل يمكن أن يحدث هذا التحوُّل في لحظة فينام المرء وهو على عبادة الله الواحد الأحد، ثمَّ يستيقظ وهو على أعتاب صنم، لاهثًا عند قدميه، طالبًا منه العون والمدد؟.

لقد تهاوى كثير من الناس عبر الأزمان على أقدام أصنام شهواتهم وتعلُّقاتهم البهيميَّة، فانفلتوا من عقال وانحدروا في وبال، وانحرفوا عن الحقيقة الَّتي نزلت إلى الأرض مع نزول آدم عليه السلام، فكانت الرَّحمة الإلهيَّة تتدخَّل بين حين وآخر، وترسل إليهم الأنبياء والرسل لتذكِّرهم بوحدانيَّة الله، ليعودوا إلى وعيهم واتِّزانهم، فيحفظوا لأنفسهم كرامتها، ولقلوبهم صفاءها وهدايتها.

من أجل هذا كلِّه أَوْلى القرآن الكريم موضوع الهداية والسُّبُل المؤدِّية إليها اهتمامًا كبيرًا، يمكننا أن نقف على جزء منه من خلال تدبُّرنا للنُّصوص القرآنيَّة الآتية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت