معترفًا منيبًا بأن الله هو ربِّي وخالقي ومالك أمري، وأنا أنزِّهه عن أن أشرك به مالًا أو ولدًا أو حبًّا للدنيا. ثمَّ يخاطبه بلسان المعلِّم الرؤوف الَّذي يمدُّ يد المساعدة لمن جرفه تيَّار الحياة، يبثُّ تعاليمه بحبٍّ ورأفة، فيقول لصاحبه: هَلاَّ إذ دخلت جنَّتك قلت: ما شاء الله لا قوَّة إلا بالله، فالخير كلُّه بيده، وهو وحده الخالق القادر؛ إنك تراني فقير الحال، قليل المال والعيال، ولكنَّ ثقتي بالله لا حدود لها، وهو قادر على أن يعوِّضني خيرًا من جنَّتك، وعندي من اليقين ما يملأ قلبي بأن أموالك تلك فتنة لك، وأنَّ الله قادر على إبادتها حين يشاء، فقد يرسل عليها مطرًا يقتلع نباتاتها وتصبح أرضها طينًا خاوية، أو أن تغور مياهها في باطن الأرض، فلا تستطيع الحصول عليها مهما بذلت من مال وجهد، فتجفَّ أشجارها وتفقد خضرتها وحياتها.
ويُسدل الستار على ذلك الحوار، وفي نفس السامع ما فيها من الرهبة والخشية من قدرة الله تعالى، ويُرفع ليقع البصر على مشهد آخر يصوِّر الوجه المناقض للمشهد الأوَّل، فالأوَّل فيه إشراقة الحياة، وسحر الجمال، والثاني مشى فيه الخراب والدمار حتَّى لم يدع بقعة أو زاوية إلا وانساب فيها. لقد نزلت عقوبة الله بالمتكبِّر كما توقَّع العبد الصالح، بإتلاف جنَّتيه، فأصبح عاليها سافلها، وقد تصدَّعت جدرانها، وذوى زرعها فأصبحت أثرًا بعد عين. ودخل المغرور جنَّته فلم يجد إلا بوارًا وخرابًا، فصار يُقلِّب كفَّيه حزنًا وأسفًا على ما أنفق فيها من مال وما بذل من جهد، وعلى ما فرَّط في حقِّ ربِّه. عند ذلك فقط اهتزَّت فطرته النائمة، واستيقظ ضميره الوسنان، فأرسل موجات صوتية تنعقد حروفًا لاكها لسانه في مرارة: (ياليتني لم أشرك بربِّي أحدًا، ياليتني لم أغترَّ بمالي وسلطاني، ياليتني ... ) ويتلفَّت حواليه ليلتمس ولو صديقًا واحدًا من الرهط الكبير الَّذي كان يحفُّ به فلا يجد أحدًا، إنه رهط مزوَّر، كان منتفعًا بخيراته وبساتينه، واليوم وقد اندثر النعيم، فقد اندثر معه كلُّ شيء. إنها غاية في الهزيمة والخيبة، حيث لا مال ولا أهل ولا نفوذ ولا سلطان؛ ولم يبقَ سوى شبح إنسان يقف ذليلًا أمام خالقه، مجرَّدًا من زينة الدنيا وزخرفها، لا يملك سوى ذنوبه وتقصيره، فإن شاء الله غفر له، وإن شاء عذَّبه ولن يجد من دون الله نصيرًا.
من هذه القصَّة المليئة بالعبر نستخلص ما يلي:
1 ـ إن الغرور والتسلُّط من أشدِّ الأمراض الَّتي يبتلى بها الإنسان، ولا نجد أحدًا تكبَّر وتجبَّر إلا أنزل الله به العقوبة، ومرَّغ أنفه في تراب الذُّل والهوان.
2 ـ إن تعلُّق الإنسان المفرط بماله يدخله في دائرة الشرك بالله، ويجعله يحسب نفسه وكأنَّه صاحب القرار من دون الله تعالى، فيعطي لماله الضمان بالسَّلامة المطلقة، ويعطي لنفسه الوعد بالمزيد من المال في الدار الآخرة.