فهرس الكتاب
تكرَّرت فيه الآيات الَّتي تنقل لنا صورًا من حياتهم، وتحمل في طيَّاتها دروسًا عظيمةً وعبرًا بالغة في التربية والتوجيه.
وإن رسول الله نوحًا عليه السَّلام هو أحد الأنبياء الَّذين جاء ذكرهم في القرآن، وقد وردت قصَّته مع قومه في أكثر من موضع، لتهزَّ المشاعر روعة ورهبة، وتعطي المؤمنين أملًا في إغاثة الله لعباده الصالحين، بقلع جذور الكفر والشرك، لتكون السِّيادة للإيمان وحده، فيوفِّر للناس الحياة الفاضلة، ويكون سببًا في رقيِّهم الروحي وتفوُّقهم المادِّي.
فإذا ما تتبَّعنا الآيات الكريمة المتعلِّقة بحياة نوح عليه السَّلام، وطالعنا أحداثها بعقل واعٍ وقلب متفتِّح؛ فإننا نجد فيها الكثير من الإرشادات والتوجيهات، ونستطيع أن نستخلص العديد من الدُّروس والعِبَر والحِكم. ففيها عزاء وتثبيت للمؤمنين عامَّة، ودعوة للتأسِّي به في ميدان الصبر والتحمُّل، وليُعْلَمَ أن الحقَّ يعلو ولا يُعلى عليه. فالقصَّة تبدأ بحوار عقلاني بين نوح وقومه، فهو يدعوهم إلى عبادة الإله الواحد الَّذي لا شريك له، ويلقي على مسامعهم كلمة الحقِّ الَّتي لا تتبدَّل، والَّتي يقوم عليها الوجود، ويشهد لها كلُّ موجود؛ فيخاطبهم بلهجة التحبُّب والنصح قائلًا: ياقوم اعبدوا الله وحده وأطيعوه، ولا تشركوا معه إلهًا آخر، فلا ربَّ لكم غيره، ولا معبود يستحقُّ العبادة سواه. ثمَّ ينتقل في أسلوب وَعْظِهِ، من لغة النصح والترغيب، إلى لغة التنبيه والتحذير، فيقول لهم: {أفلا تتَّقون} ، أي ألا تخافون عاقبة الإنكار للحقيقة البيِّنة الَّتي تقوم عليها كلُّ الحقائق؟.
فيأتي الردُّ من هؤلاء القوم الجفاة، بعد أن أقيمت عليهم حجَّة نبيِّهم: {ما هذا إلاَّ بَشرٌ مِثلكم يريدُ أن يَتفضَّلَ عليكم} ، ومن هذه الزاوية الضيقة نظروا إلى تلك الدعوة الكبرى، فما كانوا ليدركوا طبيعتها، ولا لِيَرَوْا حقيقتها، وحُجبوا بذواتهم الصغيرة الضئيلة عن جوهرها، فإذا القضيَّة في نظرهم قضية رجل منهم، لا يختلف عنهم في شيء، يريد أن يتَّخذ لنفسه موقع الريادة، وأن يجعل لنفسه منزلة فوق منزلتهم ويترأسهم! فقادهم ذلك الموقف إلى مغالطة كبيرة مع أنفسهم، فقد سوَّغوا لها أن تثبت الألوهيَّة لحجر، وأنكروا عليها الإيمان بنبوَّة بشر! ولم يقفوا عند هذا الحدِّ في عدائهم للحقيقة، واستنادهم إلى المغالطة والأوهام الباطلة، بل تمادَوْا في ذلك بإغلاقهم السَّمْع والبصر والفؤاد، دون دعوة الحقِّ الَّتي جاءتهم من عند الله، وحملها لهم رسول من أشرف خلق الله. وقد ذكر تعالى شكاية نوح حيث قال: {وإنِّي كُلَّما دعوتُهُم لِتَغفرَ لهم جعلوا أصابعَهُم في آذانِهِم واستَغشَوا ثيابَهَم وأصرُّوا واستكبروا استكبارا} (71 نوح آية 7) ، لقد أوغلوا بهذا الموقف المتعنِّت والقصور المفرط؛ في البعد عن إدراك النفحة العلويَّة الَّتي تصل البشر بالملأ الأعلى، وتجعل الأخيار منهم يتلقَّوْن ذلك الفيض الإلهي، ويحملونه إلى إخوانهم فيهدونهم إلى مصدره الوضيء. إنهم بدل الأَوبَةِ إلى الحقِّ، انغمسوا في الباطل فقالوا: {وَلَو شَاءَ الله لأَنْزَلَ مَلائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا في آبَائِنَا الأوَّلين} ومثل هذا التفكير والحكم في كلِّ زمان ومكان إنما يصدر عندما يهيمن التقليد