فهرس الكتاب

الصفحة 122 من 400

أدرك من فحوى حديثه عظيم حكمته وحسن تصرُّفه، ورأى في سيرته الحسنة في السجن، وعلمه وفهمه في تأويله للرؤيا، خير دليلٍ على أنه أهلٌ لأن يُرفع إلى أعلى المراتب، ولم يصرفه عن ذلك كونه غريبًا أو فقيرًا أو مملوكًا. لقد دار حوار بين الملك ويوسف عليه السَّلام ـ والحوار بين المتخاطبين يظهر معارف الإنسان وأخلاقه وآدابه ـ ومنه تبيَّن للملك أهليَّة يوسف عليه السَّلام وكونه جديرًا بأن يصبح موضع ثقته، وصاحب مشورته، فجعله من خاصَّته واستخلصه لنفسه بعد أن قال له: إنك لدينا ذو مكانة سامية ومنزلة عالية.

لكنَّ النفوس النبيلة لا تنحصر أحلامها في ذواتها وتحقيق رغباتها فحسب، بل إنها تنظر إلى بعيد، نظرة شموليَّة تسع الكون والأحياء جميعًا، وهذا ما حدا بيوسف عليه السَّلام إلى أن يطلب من الملك إدارة الأمور المالية؛ لأن سياسة المُلك بالحكمة، وتنمية العمران، وإقامة العدل، تتوقَّف على مثل هذه النفوس، وقد زكَّى نفسه وامتدحها أمام الملك تعريفًا لا ثناءً ليثق به، ويركن إليه في تَوَلِّيه هذه المهام؛ فقال: إني حفيظ عليم، خازن أمين، ذو علم وبصيرة بما أتولاه. فطلب يوسف عليه السَّلام ما يعتقد أنه قادر على النهوض به من الأعباء في الأزمة القادمة الَّتي تبيَّنها من تأويله رؤيا الملك، وبما يعتقد أنه سيصون به أرواحًا من الموت، وبلادًا من الخراب، ومجتمعًا من هجمة الجوع، فكان بذلك حكيمًا في إدراكه لحاجة الموقف إلى خبرته وكفاءته وأمانته، مع الاحتفاظ بكرامته وإبائه، فهو لم يكن يطلب لشخصه وهو يرى إقبال الملك عليه، إنما كان حصيفًا في اختيار اللحظة الَّتي يستجاب له فيها، لينهض بالواجب الثقيل، في أشدِّ أوقات الأزمة، متحمِّلًا للمسؤولية الضخمة في إطعام شعب كامل، وشعوب تجاوره طوال سبع سنوات لا زرع فيها ولا ضرع.

لقد بدَّل الله تعالى حال يوسف عليه السَّلام، فوسَّع عليه بعد ضيق، ويسَّر عليه بعد عسر، وجعل الأرض مُلْكًا له، مفتوحةً أبوابها، ميسَّرةً سُبُلها، يتبوَّأ منها المنزل الَّذي يريد، والمكان الَّذي يهوى، والمكانة الَّتي يختار بعد أن مرَّ بتجربة الجُبِّ وما فيه من خطر وضيق، والسجن وما فيه من قيود. والله يصيب برحمته من يشاء فيجعل من العسر يسرًا، ومن الضيق فرجًا، ومن الخوف أمنًا، ومن القيد حريَّة، ومن الهوان عزًّا ومقامًا عاليًا. وكانت ليوسف عليه السَّلام تلك المكانة الرفيعة في الأرض، وله أيضًا البشارة في الآخرة جزاءً وفاقًا على الإيمان والصبر والإحسان.

والتَّقوى لابُدَّ منها لكلٍّ من أهل النعمة والمحنة، أمَّا أهل النعمة فتقواهم بالشكر لأنه وقاية من الكفر، وأمَّا أهل المحنة فتقواهم بالصبر لأنه جُنَّة من الجزع والاضطراب. وقد كان يوسف عليه السَّلام تقيًا في الحالتين؛ فعندما امتحنه الله بكيد إخوته الَّذين رَمَوْه في الجُبِّ، وكذلك بكيد امرأة العزيز الَّتي ألقته في السجن، كان صابرًا وراضيًا، مترقِّبًا رحمة الله، ومؤمنًا بعدله ونصرته، وداعيًا إلى عبادته فلم تزحزحه هذه المِحَن عن إيمانه وثقته بالله. وعندما أنعم الله عليه بالقرب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت