فهرس الكتاب

الصفحة 133 من 400

في رحاب الآيات:

بعث الله تعالى يونس عليه السَّلام إلى أهل نينوى (وهي بلدة قبالة الموصل بالعراق) فلما دعاهم إلى الله أبَوا وتمادَوا في كفرهم، فخرج من بين أظهرهم مُغاضِبًا، وأوعدهم بالعذاب بعد ثلاثة أيَّام. فلما تحقَّقوا من وعيده، وعلموا أن النبي لا يكذب، خرجوا إلى الصحراء بأطفالهم وأنعامهم ومواشيهم، وتضرَّعوا إلى الله عزَّ وجل وجأروا إليه بالدعاء؛ فرفع عنهم العذاب، قال تعالى: {فلولا كانت قريةٌ آمنت فنفعَهَا إيمَانُها إلاَّ قومَ يونُسَ لمَّا آمنوا كشفنا عنهم عذابَ الخِزي في الحياةِ الدُّنيا ومتَّعناهم إلى حين} (10 يونس آية 98) .

إلا أن يونس عليه السَّلام قبل أن يعلم بتوبة قومه، ذهب فركب مع جماعة في سفينة، فهاج البحر، وأخذت الأمواج تتقاذفها من كلِّ جانب، فعلم أصحابها أن فيهم مذنبًا، وتشاوروا بالأمر فيما بينهم، فاستقرَّ رأيهم على الأخذ بالقرعة، ومن وقعت عليه أَلْقَوه من السفينة خشية نزول غضب الله بهم وعذابه، فوقعت القرعة على نبي الله يونس، لكنَّهم أَبَوْا أن يلقوه لما اشتُهِر عنه من الصلاح والتَّقوى، ثمَّ أعادوا القرعة ثلاث مرات فوقعت عليه، فألقى يونس بنفسه في البحر، فأرسل الله حوتًا يشقُّ البحر فالتقمه، لكنَّ الله أوحى إليه أن لا يأكل منه لحمًا ولا يهشِّم له عظمًا. فأطبقت على يونس ظلمات ثلاث: ظلمة الليل، وظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت، فنادى: ربِّ لا إله إلا أنت، تنزَّهْتَ عن النقص والظلم، وقد ظلمتُ نفسي وأنا الآن نادم على ذنبي تائب إليك، فاكشف عني هذه المحنة. فاستجاب الله دعاءه، ونجَّاه من الغمِّ الَّذي هو فيه، ولفظه الحوت على الساحل، وكان ذلك درسًا وعبرة لكلِّ من يتهاون في حمل الرسالة وأداء الأمانة. والمثير في هذه الأمثولة أن قوم يونس شعروا بالندم والألم على تفريطهم في حقِّ نبيِّهم، وكان هذا الشعور مدعاة لإنابتهم وصدق توبتهم، لذا فوجئ يونس عندما عاد إلى قومه فوجدهم قد اهتدوا إلى الصراط المستقيم، واتَّبعوا ما كان يدعوهم إليه من عبادة الله تعالى.

إن في هذه القصَّة لفتات تستدعي الوقوف عندها؛ ذلك أن يونس عليه السَّلام لم يصبر على تكاليف الرسالة، فضاق ذرعًا بالقوم، وألقى عن نفسه عبء الدعوة، وذهب مغاضبًا، ضَيِّق الصدر حَرِج النفس، فأوقعه الله في الضيق الَّذي تهون إلى جانبه مضايقات المكذِّبين. ولولا أن ثاب إلى رشده وأناب إلى ربِّه واعترف بظلمه لنفسه، وتخلِّيه عن واجبه لَمَا فرَّج الله عنه، ونجَّاه من الغمِّ الَّذي وقع فيه.

ومن هنا ندرك أنه ينبغي على أصحاب الرسالات أن يتحمَّلوا تكاليفها، وأن يصبروا على التكذيب بها، والإيذاء من أجلها. ولمَّا كان تكذيبُ الصادقِ الثقةِ، مريرًا على النفس حقًا، كان لابدَّ لمن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت