فهرس الكتاب

الصفحة 170 من 400

عندما يصفو الحبُّ والودُّ بين العبد وخالقه، وترتفع منزلة المحبِّ عند الحبيب، يتنزَّل عليه صيِّب العطايا بلا حدٍّ ولا عدٍّ، فيسقي شجرة الحبِّ لتؤتي ثمار الرضا يانعة طيِّبة.

وهذا ما تفضَّل به الله على نبيِّه محمَّد صلى الله عليه وسلم بعد أن اصطفاه واجتباه، فقد أغدق عليه من ألوان العطاء وعظيم الهبات ما شمل خيري الدنيا والآخرة؛ كالنصر والفتح وظهور الدِّين ـ الَّذي جاء به ـ على الدِّين كلِّه، وجعل أمَّته خير أمَّة أخرجت للناس. كما تفضَّل عليه بالثواب العظيم، والمكانة الرفيعة، حتَّى ينال الكرامة العظمى، والمقام المحمود يوم القيامة؛ بالشفاعة العامة. روي أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أمَّته فقال: «اللهم أُمَّتي أُمَّتي وبكى، فقال الله: ياجبريل اذهب إلى محمَّد واسأله ما يبكيك ـ وهو أعلم ـ فأتى جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره رسول الله بما قال، فقال الله: ياجبريل اذهب إلى محمَّد، وقل: إنا سنرضيك في أمَّتك ولا نَسُوؤُك» (أخرجه مسلم) ؛ ولايخفى أن أُمَّة رسول اللهصلى الله عليه وسلم هي الَّتي سارت على نهج القرآن خلقًا وعلمًا وعملًا.

ثمَّ يمضي سياق الآيات من سورة الضحى، مذكِّرًا الرسول صلى الله عليه وسلم ليستحضر في خاطره جميل صنع ربِّه به، وفيضه عليه، ويستمتع باستعادة مواقع الرحمة والودِّ والإيناس الإلهي، فيقول: انظر في واقع حالك، وماضي حياتك، هل ودَّعك ربُّك وهل قلاك، حتَّى قبل أن يعهد إليك بهذا الأمر؟ ألم تكن يتيمًا لا أب لك، فما زال يحميك ويتعهَّدك برعايته حتَّى ارتقيت إلى ذروة الكمال الإنساني؟ ألم يجدك حائرًا مضطربًا في أمرك، مع اعتقادك أن قومك ليسوا على بصيرة، فعبادتهم باطلة، ومعتقداتهم فاسدة، فهداك إلى رحاب حضرته، وزرع في قلبك برد اليقين؟ ألم تكن فقيرًا فأغناك بما أجراه لك من الربح في التجارة، والسعة بعد الضيق؟.

وبعد أن عدَّد تعالى هذه النعم الثلاث، وصَّاه بثلاث وصايا تقابلها فقال: فأمَّا اليتيم فلا تقهر، أي لا تحتقره ولا تغلبه على ماله، وجَمِّلْهُ بالأدب وهذِّبه بمكارم الأخلاق، ليكون عضوًا نافعًا في مجتمعك؛ لأن من ذاق مرارة الضيق في نفسه، فهو جدير بأن يستشعرها في غيره، وقد كان صلى الله عليه وسلم يتيمًا، فباعد الله عنه ذلَّ اليتم وآواه، فَمَنْ أَوْلى منه بأن يُكرِّم اليتيم شكرًا لله على نعمته. وأمَّا السائل المستجدي، فلا تزجره ولا تُغلِظ له القول، بل تفضَّل عليه بشيء أو ردَّه ردًّا جميلًا، وقد يكون المراد من السائل طالب الحقيقة والعلم، وهو أيضًا ممَّا ينبغي الرفق به، وبيان ما أشكل عليه من الأمر. وعليك أيُّها الرسول أن توسِّع على الفقراء ببذل مالك، وأن تفيض عليهم من النعم الأخرى، روى ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى: {وأمَّا بِنِعْمة ربِّك فحدث} قال: (بالقرآن، وعنه قال: بالنبوَّة، أي بلِّغ ما أرسلت به) . وعن الحسن بن علي رضي الله عنهما قال: (إذا أصبت خيرًا، أو عملت خيرًا، فحدِّث به الثقة من إخوانك) . وروى الشعبي عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من لم يشكر القليل، لم يشكر

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت