فهرس الكتاب

الصفحة 180 من 400

رسول الله صلى الله عليه وسلم على الطاعة، في منزلة من يبايعون الله على ذلك، سواء في بيعة العقبة الَّتي تمَّت بين المؤمنين وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، أم في غيرها من البيعات الَّتي كان يشعر فيها الفرد المسلم عندما يضع يده في يد الرسول صلى الله عليه وسلم، برقابة الله تهيمن عليه، وكأنَّ يده سبحانه فوق أيديهم، وهو على يقين بأن الله حاضر البيعة شاهد عليها، وهو الَّذي أخذها على المبايعين، وبالتالي فإن قدرته القاهرة مهيمنة على المتبايعين. ولا شكَّ أن هذه الصورة تستأصل من النفس أي خاطر للنكث بهذه البيعة، ولو غاب شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم فالله حاضر لا يغيب، وهو عليهم رقيب. فمن نقض البيعة فهو الخاسر، لأنه رجع عن تلك الصفقة الَّتي عقدها مع ربِّه تعالى، وما من بيعة بين الله وعبد من عباده، إلا والعبد فيها هو الرابح من فضل الله، والله هو الغنيُّ عن العالمين، وهو يحبُّ الوفاء ويحبُّ الأوفياء. وأمَّا مضمون هذه البيعة فقد أخرج أحمد وابن مردويه عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: (بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في النشاط والكسل، وعلى النفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن نقول في الله، لا تأخذنا في الله لومة لائم، وعلى أن ننصره إذا قدم علينا يثرب، فنمنعه ممَّا نمنع منه أنفسنا وأزواجنا وأبناءنا، ولنا الجنَّة، فمن وفَّى وفَّى الله له، ومن نكث فإنما ينكث على نفسه) . ويبشِّر الله الموفين بالعهد بأن لهم أجرًا عظيمًا، فلم يفصِّله ولم يحدِّده، ولكنه اكتفى بوصفه؛ أنه عظيم، عظيم بحساب الله وميزانه ووصفه الَّذي لا يرتقي إلى تصوُّره أهل الأرض.

وكما أن للطاعة ثمراتها، فإن للمعصية عواقبها الوخيمة على الفرد أوَّلًا وعلى الأمة ثانيًا، فإذا ما انسلخ الإنسان عن أوامر ربِّه وأوامر رسوله صلى الله عليه وسلم خرج عن مساره المستقيم، ودخل في متاهات الشكوك والمعاناة، وفقد المدد الإلهي، وأضحى نجمًا آفلًا يتردَّى في مسارب الشيطان ومسالكه. أمَّا عزوف الأمَّة عن شريعة الله فإنه يؤدِّي إلى تفشِّي الخلافات بين صفوفها وتفرُّقها، وبالتالي إلى انهيارها وسيطرة أعداء الحقِّ والحقيقة على أفكارها ومعتقداتها. وهذا الخلل لا يمكن حدوثه ما دمنا بحضرة الله لائذين، وبشريعته متمسِّكين، وبسنَّة رسوله مهتدين، مُتحلِّين بالصبر والأناة، مع العزم والمجاهدة، لنَبْلُغَ الدرجة المرجوَّة من التسليم لحكم الله وحكم الرسول صلى الله عليه وسلم.

وختامًا من الضروري القول بأن افتراض وجود بعض الأحاديث المكذوبة أو الضعيفة في كتب السيرة والسنن، لايعني بالضرورة إلغاء دور السنَّة الشريفة، بل علينا تمحيصها ولفت النظر إليها، بروح علمية متسامية يكون هدفها لَمُّ الشمل لازرع العداوة والأحقاد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت